القائمة الرئيسية

الصفحات

عندما تكون الرجولة على المحك

بقلم محمد حسنة الطالب
................
لكل بداية نهاية وأي نهاية؟ ولكل امرئ أجل ، وما هي الخاتمة؟ هنا على القوامين على النساء معرفة أي منقلب ينقلبون ، خصوصا إذا حلت الشدائد وجاء الامتحان عسيرا ، امتحان بلا شك يعز فيه المرء أو يهان ، ولا سبيل فيه لخيار ثالث ، فالحياة بمحاسنها ومساؤها عرضت للرجال ليختار أي منهم الغث من السمين أو الغالي من الرخيص في سوق سيذكر التاريخ لا محالة كل مشتر بما اغتناه من سلعها النافعة أو الفاسدة ، وها هنا تظهر الرجال على قدر هممهم وسخائهم ، فمن منهم يحسن الاختيار والإجابة بوضوح في امتحان يصنف الرجال بين عظيم ناجح ، وبين منحط فاشل حين تصعب المواقف ؟
هناك امتحان تتقدم له الرجال مرغمة بدافع النخوة ، وغير مرغمة ما دام الضعف يثنيها ، فيقيم نتائجهم في كل مراحله إلى أن يمنحهم شهادة تفوق ، أو لوحة شرف وتشجيع ، أو يعلن إخفاقهم وحصولهم على توبيخ . هذا الامتحان هو بعيد كل البعد عن ذاك الذي يجرى على طاولات وكراسي، والنجاح فيه مرتبط بساعة الحقيقة التي إن دقت عقاربها تكون شخصية الرجال أيا كانوا على المحك ، لا سيما إذا ما مس شرفهم وكبرياء أهلهم وكانت حياضهم عرضة للسلب والعبث، وهذه مجتمعة هي أول المقدسات وأهمها للتمتع بالعيش النبيل والحياة الحرة الكريمة ، ومن أجل ذلك يستمد الرجال على أصنافهم الجرأة والإقدام ، أو يكتفون بالذل والهوان .
هي الحرب إذن إذا قرعت طبولها واشتعلت نارها بسبب الجور والقهر والإبادة بدون ذنب ، كان الأسود لها برفع الظلم ودرء الضغينة عن العجزة والضعفاء والمظلومين ، في وقت لا تبالي فيه الذئاب والثعالب إلا بالمفر من ساحتها كلما ازدادت ضراوة وحمى وطيسها واشتد لهيبها ، في ذلك الوقت لن تسمع إلا زئير الليوث الضراغم يعلو على عواء ابن آوى ومن يحذو حذوه ، كما أنك لن ترى في أتونها غير غضنفر يصول ويجول ، يفتك ويدمر دون هوادة ، غير آبه بالموت في وجه حشد عرمرم من الجبناء الفاقدين قوة الإيمان والحق والشرعية ، غير أنه ما تكاد الكريهة تضع أوزارها ويتلاشى غبارها ويتوقف الخطر وتعم السكينة كل شئ ، حتى تبدأ فئة المتطفلين في النبش عن عظام تنهشها والبحث عن أثر لها خلت منه كل موقعة دامية وكل معركة ضروس ، وهكذا ألفنا المتطفلين دائما يقتاتون على فضلات السباع كي يتمكنوا من مواكبة الحياة ، ومثل ذلك تلك الوجوه التي تظهر فجأة في واقعنا ، وقد اختفت ذات يوم خلسة لأنها تخاف غبار الملاحم إن تعالى ، وتكره رياح المجد العاتية إن هبت ، وهذه الوجوه من تلك الأجساد الممتلئة ما سمعت يوما بصليل ولا هدير، وما رأت قط سهاما غرزت ولا شظايا أصابت ، ولعل اللون الأحمر هو ما يزعجها ويخيفها إن تدفق من الجراح وان كانت قاتلة أحيانا ، هؤلاء قد يدركون في لحظة ما بأن الموت آتية ولهم المفر، وبالتالي يحبذونها بلا خدوش وبلا دم ، ولذلك انعدم الحياء في وجوههم وتوقف ضميرهم من فرط المخاوف وحب حياة رخيصة بلا ثمن ، هؤلاء أيضا وبالتأكيد يغفلون مسألة جوهرية في هذه الدنيا الآيلة إلى الزوال ، وهي أن الإنسان قد يخلد إذا أريقت دماؤه مقبلا لاستعادة الشرف مهما كانت النتيجة حياة أو موت ، وقد يموت موتا أبديا إذا أريقت دماؤه مدبرا جبانا سامحا في كرامته وحقه ، وفي هذه الحالة يقولون أن صاحب الجبن لا ينجى من القدر، وما دام القدر محتوما فمن الأفضل أن تكون الخاتمة حسنة ، وفي هذا قال بطل مقدام كان حريصا على أن يكون مثلا لمقولته " ميت مشكور ولا حي محكور" وهذه دلالة فاصلة ، كالسيف في حده الحد الفاصل بين الجد واللعب ، ومن اللعب هنا ظهور الجبناء فقط ساعة أفول النجوم وغياب شمس الحقيقة ، وهذا تجرؤ على سرقة أمجاد وبطولات من هم إما أحياء عند ربهم يرزقون ، أو أحياء بين أقرانهم يشهدون ، فنهج الرفاق أمانة في عنق من انبرى معهم على العهد ، كأولئك الذين خلفهم ذاك العراك الضاري جرحى بعدما بحثوا عن الموت في أماكنها ذودا وتضحية حماية للمظلومين ، ولكن الله أنجاهم بعدما كانوا قاب قوسين أو أدنى من نيل الشهادة ، كذلك هو أمانة أيضا في عنق من حفظهم الله من عاهات الحروب وعادوا تامي الصورة سالمين بفخر، غانمين بمجد ، والى هؤلاء ينضاف أولائك المقاومون الذين يقارعون الأعداء بصدور عارية سلاحهم العزم والإيمان بعدالة قضيتهم ، كل هؤلاء نالوا شرف السخاء والوفاء ، كون سيرتهم تكفي للدلالة على نبل مقاصدهم ، وعلى وفائهم الدائم لنفض الغبار عن بطولات وأمجاد لأشاوس مضت فقضت من أجل العرين وساكنته ، وتكاد تكون اليوم انجازاتهم لقمة صائغة لمجموعة ذليلة لم تشاركهم ذات يوم في صنعها ، وهذه المجموعة أو هذا النوع من البشر غالبا ما يعيش "وقت الشدة" وبالمقابل يعيش الإبرار بمآثرهم وأمجادهم في كل الأزمان ، ويحيا العظماء بسيرتهم فخرا واعتزازا وحبا في إبلاء المزيد من التضحيات وصنع الروائع ، عسى أن تكون معلما بارزا على طريق المجد والمعالي ، الذي من أولى خطواته الإقدام والإباء .
هنا يجب أن تصل الرسالة بكل مضامينها وتفاصيلها إلى الأجيال القادمة واللاحقة لتكتشف براعة التخطيط وروعة التصميم لطريق يوصل أصحابه لا محالة إلى أعلى الدرجات سواء كان مصيرهم البقاء أو الفناء ، وهو ما ينبغي أن يسلكه كل خلف ليتمكن من حفظ الأمانة وصيانة العهد ، وليت تلك الوجوه التي تخاف الخطر وتكره المجازفة عرفت أنه من تحت رماد الحروب تتوهج أرواح من خاضوها ببسالة نادرة وإيمان راسخ أفضيا إلى تتويجهم دون منازع في الدنيا وفي الآخرة بأرقى الألقاب وأفخم وأفخر الأوسمة والنياشين التي يمنحها التاريخ لعظمائه الذين ما غابت إلا أجسادهم ، إذ قال الله تعالى فيهم : "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون" صدق الله العظيم ، ولنا أن نقول في هذا المقام مع شاعر الثورة الجزائرية محمد العيد ال خليفة :
رحم الله معشر الشهداء وجزاهم عنا كريم الجزاء
وسقى بالنعيم منهم ترابا مستطابا معطر الأرجـــاء
ولأنهم قضوا وتوجوا ، فانه يستحيل على من يؤثرون الحياة دون مبادئ وقيم مجاراتهم أو الدنو قيد أنملة من صنائعهم ، مثلما يصعب ذلك أمام الأسود الجريحة والتي نجت بغير خيارها ولكنها تعتز بما قدمت وترضى بما قسم الدهر، ومهما بلغ الانتحال من قبل الجبناء فان شيم وقيم الأحرار لا تنطفئ وهي عصية بكل المقاييس على المنتحلين المنتفعين ، بائعي الشرف في سوق النخاسة .
هذه هي الحروب إذن لا يخوضها إلا الإبطال مهما تعددت أشكالها وأساليبها بين السلاح القاتل ، أ و بين ذاك الصنف النفسي المغري والمضلل في آن واحد ، وربيبه الإعلامي المحرض والمغالط في كل الأحايين ، لكنها في ميزان آخر هي مدارس فتحت للرجال لاستخلاص أثمن الدروس وأنجع العبر التي تحفز الإنسان على المضي قدما والعيش أو الموت بعزة وكرامة مهما يكون حجم الضرر، وخسة المناورة ، وهذه هي الدروس التي على أساس فهمها وحفظها تمنح درجات التفوق للرجال المؤمنين بحقهم في الدفاع عن أنفسهم وعن مكتسبات أهلهم وذويهم ، وعن مبادئهم وقيمهم النبيلة ، وهي أيضا التي على أساسها ينزل إلى الحضيض من لم يستوعبها أو يستثمرها لدواعي وأعذار ومبررات واهية وفاضحة ، لا يراها إلا المنبطحين وأشباه الرجال ، والتي لا تخلو في أغلبها من الذل والهوان وتفضيل الحياة والجاه على القيم والمبادئ ، في وقت قد تصبح فيه الوطنية قناع ونسيان العهد مجد وسرقة المال العام رجولة ، وتبا لرجولة يتاجر أصحابها بالقيم وبالمبادئ والحقوق لقاء النبض بالحياة وأية حياة ؟ لقد انكشف الغطاء وكان مكشوفا لأن "عين أجرادة تحت باطها" مثلما يقول المثل عندنا ، اليوم وقد فسدت سلعتهم وبارت تجارتهم وتعرى كل ما هو مستور ، عليهم أن يعلموا أنهم هم الخاسرون في الدنيا وفي الآخرة مهما بلغ بهم التمادي والتعنت .
لكن هناك من تركت الحرب في صلبه حرائقا وحسرة ودموع ، وزاد تأثره في وقت نكث فيه البعض عهدا قطعه الجميع على أنفسهم يوم ثكلت النساء وأرملت ، وتطايرت الأشلاء هنا وهناك ، عهد
لم تلتهمه نار الحرب بالكامل حين تركت الجسد المعلول والنفس النقية التي آلت على ضميرها السير على الدرب مهما كلفها الشلل أو العجز أو العوز، وهذه حالة معنوية عالية تكفي لان يحذو الجميع حذوهم ، وليتخلى عن وساوس النفس والشيطان التي قد تسرح بالشخص إلى ما وراء الواقع فتنسيه طريق العودة إلى الصواب ، والى ما هو أهم في حياة رسمت بأحلى صورة للجميع لتتجسد في الواقع بتسابق الجميع إلى الشهادة إذا طلبت ، والى الوفاء والثبات على العهد باستمرار ، والى النزاهة وحسن الخلق والصدق في تأدية الأمانة وحفظها للأجيال القادمة .
بمثل هكذا تصرف تستنبط دروس الحروب التي على أساسها تمنح درجات التفوق للرجال المؤمنين بحقهم في الدفاع عن أنفسهم وعن مكتسبات أهلهم وذويهم ، وينزل إلى الحضيض من يجهلها أو يتجاهلها ذلا وذعرا، وأولئك هم الجبناء الخاسرون في الدنيا وفي الآخرة لأنهم يبخلون على أنفسهم وعلى أهلهم وعلى الوطن بما هو واجب في أعناقهم ولا مبرر في التهاون في تأديته ، ولا حتى في التحايل عليه .


بمشيئة الخالق تعالى ، هنا بالضبط تظهر نتيجة الامتحان ، بين المديح والفخر الجائز ، وبين الذم والنعت الخائب بل وحتى عندما يصبح وجودهم مثارا للسخرية والاستهزاء من قبل ظالم جائر ، فالويل حينذاك كل الويل لمن تقاعس ساعة دقت طبولها ، والعزة كل العزة لمن تقدم دون أدنى تردد تلبية لندائها، هي الحرب إذن تمنح درجات التفوق للرجال المؤمنين بحقهم في الدفاع عن أنفسهم وعن مكتسبات أهلهم وذويهم ، وتلفظ من يهابها ذلا وعجزا ابتغاء لحياة تفتقد لميزة الرجولة ونخوة الأبطال ، وأولئك هم الجبناء الخاسرون في الدنيا وفي الآخرة بمشيئة الخالق تعالى .
إن مقاتلي جيش التحرير الشعبي الصحراوي دون استثناء كانوا جميعهم يستحوذون على العزة والإباء ، وعلى الشجاعة والإقدام ، وعلى استرخاص النفس في سبيل الشعب والوطن ، فظلت هممهم عالية ومناقبهم في تصاعد دائم صافية غير مشوبة ، فعطاؤهم
يقال "عند الامتحان يعز المرء أو يهان" مثل سمعه رجال أفذاذ فخلت مناقبهم من الذل والرذائل ومن كل الأوصاف البذيئة حين حلت المصيبة واستفحل الطغيان في ذلك اليوم الأسود ، يوم لا ظهور فيه إلا للأحرار الذين أبلوا بلاء حسنا وتجنبوا شماتة الأعداء ونعوت الحاسدين رغم أنوفهم ، و صدق فيهم قول الباري عز وجل "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا" .
أنه امتحان كبير وصعب على من اعتاد على ما هو دونه ، بل ولا يفك طلاسمه إلا الإقدام واسترخاص النفس في سبيل العزة والكرامة ، وهذا يعني أن الإجابة الشافية الكافية لما يطرحه من استفهامات ، لن تكون إلا من طرف أولئك البواسل الذين ألفت سبابا تهم زناد السلاح ، خاصة وأن الأمر فيه يتعلق بالحياة أو بالموت ، وأي حياة ؟ وأية موت ؟ وحتى لا يكون لهما ثالث قال بطل فذ من الصحراويين " ميت مشكور ولا حي محكور" ليعرف الجمع من بعده كيف يقيم الموت ؟ وكيف ينبغي أن تكون الحياة ؟
لكل بداية نهاية ولكل امرئ أجل وليختار القوامون على النساء أي منقلب ينقلبون إذا ما حلت الشدائد وجاء الامتحان عسيرا ، فالويل لمن تقاعس ، والعزة لمن تقدم ، فالأول قد تلازمه لعنة ونذالة إلى الأبد والثاني يعظم شأنه وتتعدد مناقبه البطولية في الحياة كلما واجه الصعاب ، بل وقد يرقى إلى جنات الخلد إذا ما أدركه الأجل.

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...