قراءة للمشهد العربي
بقلم الصالح البهالي البلال
انتفض الشارع العربي في موسم الربيع الثوري معلنا عصيانه للاستبداد وكل أشكال القهر بعد ما ذاق ويلات عقود الحكم الفردي و ما نتج عنه من تراكم لسياسات كان هدفها في الأساسي نهب ثوراته واستخدامها في نزوات الحاكم و حاشيته و العمل على تخضير الشعوب بشعارات فارقة من أي مضمون وتوجيهه للافات الاجتماعية بكل مظاهرها لإقصائه ليتسنى له تكوين أجيال غير قادرة على فهم ذاتها ولا محيطها ليكون التحكم في غاية السهولة مستخدما أخبث الأساليب .
إذن نجحت هذه السياسات لسنوات طويلة في كبت الشارع العربي و إرغامه على السكوت بغض النظر عن محاولات كانت توصف باليائسة لعدم بلوغها لنتيجة تذكر فبقي الحال هكذا و الشعوب تبحث عن مخرج لها من هذه الدوامة ليبزغ فجر تكسير جدار الصمت العربي مع مخيم أكديم إزيك الذي يعتبر الشرارة الأولى التي مهدت للتغيير الحاصل في الساحة العربية لتغيير الموازين و القوة في ظرف قصير كل ذلك عجل برحيل رؤوس كانت في الوقت القريب تعتبر رموز خالدة عاثت في الأرض فسادا و تفننت في قتل الروح الوطنية و زرعت الطائفية بأصنافها لإشاعت الفتنة و التفرقة فكان المشهد السائد تغييب المواطن العربي بقصد إبعاده عن التأثيرات الإقليمية و الدولية و حصره في بوتقة الجمود و الانحطاط , في المقابل كانت الشعوب تتطلع للتغيير و البحث عن فضاء تنشط فيه لتخليص نفسها من الفساد السياسي التي كانت تمارسه الأنظمة إيمانا منها بضرورة الأخذ بزمام المبادرة فكان الشعب الصحراوي السباق لرفضه للظلم بطبيعته فصنع الملحمة ببطولاته و فتح الباب أمام الأمة العربية لتتحرك في مظاهرات تطالب بإسقاط النظام بداية بتونس مع البوعزيزي الذي ضحى بحياته ثمنا لحرية شعبه لينعم بالديمقراطية في مناخ تنافسي حر لم يعهده الشعب التونسي في ظل الدولة البوليسية فقال الشعب كلمته من خلال عملية انتخابية وصفت بالشفافة و النزيهة , ثم توالت بعد ذلك انتصارات الثورات العربية مرورا بمصر و ليبيا و انتهاء بسوريا و البقية مازالت في حالة غليان و كان الباعث لهذا التحرك هو الشعور بالظلم الاجتماعي وعدم تكافؤ الفرص و البيروقراطية و الفساد بكل تشعباته و هيمنة الحزب الواحد رغم وجود بعض المظاهر للعمل الديمقراطي الذي كان في مجمله إستهزاء بالمواطن و الضحك عليه من خلال نسب مئوية لا يمكن أن تقبل في كل الأحوال و لا يوجد ما يبررها , إنه العهر السياسي في أبهى صوره لذلك كان لزاما على الشعوب العربية أن تنتفض لتعبر بنفسها عن نفسها دون وصاية لتختار ما تريد أن يمثلها و يقودها إنطلاقا من المصلحة العليا و تجسيدا لما تطمح إليه دون تكرار الأخطاء , فأنا جد متفائل بما يحصل لأنه في إعتقادي يمهد لمرحلة جديدة يستعيد فيها الوطن العربي ثقله الأقليمي و الدولي و يكون طرفا فاعلا لرسم خارطة طريق جديدة تتغير فيها موازن القوى لصالحه بعد ما غيب لعقود و هذا مرهون بمدى تفاعل القادة الجدد مع ما يحيط بهم من تكتلات و قدرتهم على فهم ما تتطلع إليه شعوبهم التواقة للحرية .
وهذا لا يكون إلا برسم مخطط توافقي شامل ذا بعد إستراتيجي بعيد المدى يكون جوهره نبذ الخلافات و طي صفحة الماضي , كما يجب أن يستوعب الجميع أن عهد الزعامات الفردية المبنية على العصبية لمذهب معين أو عقيدة ما أو طائفة قد ولى , و أن السبيل الوحيد لإثبات الذات العربية كمحور فاعل و مؤثر هو العمل على إنشاء تكتل عربي إقتصادي و سياسي و إجتماعي كبديل للجامعة العربية لفشلها التاريخي يكون أساسه المصير المشترك .
