
آلاف الخيم منصوبة في العراء، عشرات الآلاف من الصحراويين ينتظمون في لحمة الوحدة الوطنية، ينصهرون في بوتقة اللا مكان، في زمن لا يلجه إلا من ثبتت صحراويته بالمعنيين..!
إنها " لوحة الرفض " المرسومة بأنامل تمقت البطالة...التي ألفت الضغط على الزناد أو رسم شارة النصر...وفي كل الحالات كانت تشهد أنه لا إله إلا الله..
أهي الأقدار تعيد رسم المشهد الدرامي...!، أم أن التاريخ يأبى بكبرياء إلا أن يعيد صياغة لحظات الشقاء في منعرج آخر من منعرجات حرب الوجود والبقاء..! أم أن الاحتلال المغربي الغبي هو ذاته من يلهمنا كل مرة بسياساته الدنيئة رسم أجمل اللوحات وأخلدها...
فبعد خمسة وثلاثين سنة من الاحتلال الجاثم على أكبادنا...ثلاثة عقود ونصف هي عمر بحاله، ينزح أبناء البلد المحتل إلى خارج المدن التي أدماها الاستيطان، تاركين الديار بعيبها على من بقي فيها، والأزقة والشوارع والأسواق للمستوطنين الذين يعج بهم كل شبر من أرض كانت إلى أمس طاهرة تزهو بعذريتها، وحتى صغارهم حزموا كتبهم وأدواتهم وانضموا بدورهم لعالم الكرامة، اين تعاد صياغة التاريخ بشروط أبائهم وأمهاتهم...فهي فرصة كي يتعلموا رسم الحقيقة..!
مخيم اللاجئين هناك...مخيم النازحين هنا... العيون اللاجئة و العيون النازحة...والعيون الدامعة دوما...والصحراويون هم من هناك وهنا...والأمم المتحدة كبيرة القوم...والعالم كله يتفرج هناك وهنا...ولا أحد يحرك ساكنا...لا أحد يأبه بحال الخيام في الضفتين...شرق جدار العار وغربه، لا أحد يعلق على اللوحات الغنية عن التعليق..
أهو قدرنا المعلق على ركائز الخيام بين الضفتين، ام هي الحرية والعزة والكرامة التي لا تنبت إلا في وطن الخيام، الوطن الخالي من الغزاة، النقي من أثار حوافرهم الآثمة والطاهر من بولهم الكريه...فأينما رسمنا وطن الخيام نزلت في ساحاته أسراب العزة والكرامة والحرية...أم أن قدرنا دائما أن نهرب بهذا الوطن الذي لا يستظل إلا بظل الخيام مثلنا...؟ فالأوطان تشبه أهلها..!!
أم أن الاستقلال المنشود لن يأتي إلا بعد أن نقدم له ما تبقى لنا من قرابين على شكل خيام، تلك الخيام التي يتوزع شكلها ولونها بين اللين والبياض للدلالة على تشبثنا بالسلام، والخشونة والسواد كبرهان على شدتنا وبأسنا وسوء عاقبة المعتدين...
غريب هو حالنا...ففي كل مرة نكره بالقنبلة على ترك الديار...نجبر بالويلات والقمع وانتهاك حقوقنا على حزم أمتعتنا القليلة ومغادرة وطننا الثابت...ونساق غصبا إلى مخيمات يراد لها أن تكون مقابر لنا... ننبعث فجأة من الرماد.. نقتل في الغزاة أضغاث أحلامهم...نقلب الطاولة على الجميع...و نجعل من هذه المخيمات وطن متحرك كخيامنا في انتظار العودة للآخر...نقدم يومياتها المؤقتة مثال على قوة التنظيم والبناء...ونبرزها للعالم كدليل على قدرتنا على الحياة، على بناء الأوطان ولو من تبن وطين...حجة على تشبثنا بالوطن المحتل...وبالعودة المظفرة إليه بعد طرد الدخلاء...
نعم فنحن شعب جبل على الحرية...على العزة والكرامة...وعلى حب وطن لا زال حبيس الصدور والخيام.....في انتظار الإفراج التام...
فماذا ننتظر ...؟
أما آن الآوان بعد أن نطرد الغزاة....؟ أن نحزم خيامنا ذاتها..ونعود بها لسطوح الديار...؟
أما آن الآوان بعد...أن نسكن وطن لطالما سكن فينا...؟
بقلم : سعيد البيلال