يرى الانثروبولوجيون أن الثقافة هي "ذلك الكل المركَّب المعقَّد الذي يشمل المعتقدات والمعلومات والفن والأخلاق والعرف والتقاليد والعادات وجميع القدرات الأخرى التي يستطيع الإنسان أن يكتسبها بوصفه عضواً في المجتمع "( ) ومن خلال هذا التعريف يمكن أن نطرق باب الثقافة الصحراوية التي هي مرآة المجتمع الصحراوي المعبر عنه والوعاء التاريخي والرصيد التراثي المعرفي الذي تستمد منه الأجيال الصحراوية المتلاحقة مصدر تميزها وشخصيتها الثقافية والحاضن لها من الذوبان في الثقافات الأخرى ودعامة صموده في وجه أعاصير الفتن ومحاولات طمس الهوية وتتشكل هذه الدعامة من الموروث الاجتماعي والثقافي للذات الصحراوية والقيم الإيجابية التي تتأسس عليها هذه الثقافة من صفات العزة والإباء والكرم والتكافل وحسن الجوار, الذي ارشد إليه الإسلام وجرت به العادة في هذا المجتمع الصحراوي .
و الثقافة الصحراوية ثرية جدا ارتوت من مورد العروبة العذب و معين الإسلام الذي لا ينضب فالشعب الصحراوي مسلم عربي ولم يعرف الأقليات الدينية فشكل ذلك لديه ثقافة موحدة تظل تحتها كل الصحراويين ولا يزال يتمسك بها تمسكا شديدا وتتمثل في الموروث الاجتماعي والثقافي للأجداد من خلال العادات والتقاليد والتعاليم الدينية الإسلامية واللباس والحرف التقليدية والعلاقات الاجتماعية واللهجة الخاصة والعرف وغيرها من مميزات هذا الشعب التي تراكمت عبر التطور الذي رافق مراحل وجوده ,والذي دونته الذاكرة الصحراوية بلسانها الحساني الملون بالفنون الأدبية الشعبية المعروفة من شعر ونثر ومثل وحكمة أو عن طريق الحكايات والقصص والأحاجي الشعبية أو العادات والمظاهر التقليدية المحافظ عليها حتى اليوم .
فالمجتمع الصحراوي يتكلم اللهجة الحسانية ويدون من خلالها الشعر الحساني تاريخ وأمجاد المجتمع الصحراوي ويتناول أحواله وتطلعاته وفق نفس أغراض الشعر العربي من حكمة ورثاء ومدح وهجاء إلا أن الشعر الحساني يتميز ببحوره الخاصة الممثلة في بعمران , مريميدة , الصغير , لبير , البتيت الناقص , لبتيت التام ..
وهذه الأشعار الحسانية دونت وأرخت لملاحم وبطولات الأجداد والتي لم تدون في دواوين خاصة وإنما بقيت في الصدور تتناقلها الأجيال وتحفظها... ونلمس ذلك متجدد في قصائد الشعراء المعاصرين من أمثال بيبوه واحمد بادي وغيرهم ممن يؤرخون بأشعارهم للماضي , رغم الطابع الثوري الذي يكسي هذه الأشعار لطبيعة المرحلة والاحتلال..
وكذلك يتميز الصحراويون بلباسهم التقليدي الخاص بهم فمثلا يلبس الرجال في الغالب "الدراعة" وسروال "ستم" وهي اللبسة التقليدية المفضلة أما النساء فيلبسن الملحفة وبها تتميز المرأة الصحراوية , وهذا هو اللباس الغالب حتى اليوم على الطابع العام في للمجتمع الصحراوي.
أما من ناحية العادات والتقاليد المتعلقة بالمجتمع كالزواج والعلاقات الاجتماعية والعقيقة وأسلوب التحية والكلام والنظام الاجتماعي الذي تضبطه العادات والأخلاق والخوف من العار, فيتميز المجتمع الصحراوي في الغالب عن باقي المجتمعات الأخرى ـ عدا الجارة موريتانيا التي يشاطرها الصحراويون الكثير من العادات والتقاليد الخاصة بمجتمع "البيظان" ـ بنظام فريد يصعب وصفه .
فالزواج في المجتمع الصحراوي له نفس شروط وأركان النكاح في الإسلام إلا انه تميزه العادات الصحراوية ببعض العوائد حيث يتم العرس عند أهل العروس بخلاف بعض المجتمعات ويتخلله بعض الطقوس الخاصة بالمجتمع كاختيار العريس لمساعد يسمى "اوزير" , وكان في السابق يدوم سبعة أيام إلا انه في الوقت الحالي لا يتجاوز يومين يتكفل أهل العروس باليوم الأول وأهل العريس باليوم الثاني، بالإضافة إلى إعلان العقد بالفرح والسرور بعد عقد النكاح الذي يعقده القاضي المعتمد في كل بلدية او دائرة من ولايات الدولة الصحراوية ..
وكذلك عادة البند وهي عبارة عن قماش ابيض يتجاذبه اهل العريس والعروس أيهم يثبت الغلبة وينتزع البند من الآخر,وهي عادة قديمة الغرض منها التسلية والدعابة وإظهار الفرح في التنافس لكنها بدأت تختفي في بعض الأعراس في الحاضر, وغيرها من العادات الأخرى ..
اما العقيقة او" لسم " فهي سنة نبوية، يحافظ عليها المجتمع الصحراوي , وتقام في اليوم السابع للمولود , حيث يذبح فيها ويختار اسم للمولود من مجموعة من الأسماء يقرع بينها وتجتمع العائلات الصحراوية في هذه المناسبات في جو من الفرح والتكاتف الاجتماعي المنقطع النظير .. بالإضافة إلى اهتمام المجتمع الصحراوي بجماليات الزخرفة والرسم على الجلود وتنميقها حتى أصبحت هذه الحرفة من اختصاص فئة صحراوية مختصة تمتهن صباغة الجلود وتجميلها مبرزة البعد الثقافي والتاريخي والديني للمجتمع الصحراوي ومحافظة على خصائص ومميزات الهوية الصحراوية من خلال هذه الزخارف واللوحات التعبيرية الجلدية التي تتنوع وتلبي الكثير من حاجيات المجتمع الصحراوي , وخصتها الدولة الصحراوية بمتاحف ومعارض في كل الولايات تستقبل الزوار وكل من يريد التعرف على الثقافة الصحراوية... لأنها أصبحت مرجع مهم لتاريخ وثقافة الشعب الصحراوي ..
بقلم : حمه المهدي
