إذا كانت الحياة بحر من الهموم فاركبها بقارب صغير من الصبر ، لان الصبر كما يقال مفتاح الفرج وإنما النصر صبر ساعة ومن صبر وصله الظل ، كثيرة هي الحكم التي تلوكها الالسن ويتداولها الناس خاصة في اوقات الشدة والنكبات لكن قلة هم المستبصرون والعاملون بها في حياتهم ، فيجب ان يكون الصبر حقيقة نمارسها في حياتنا ونتقلب بها على نوائب الدهر ونكباته ، فهكذا كانت حياة العظماء في طريقهم الى العظمة وحين تربعوا على عرشها وهكذا سار الأنبياء والأتقياء عبر مر الزمن ، وصفحات التاريخ الإنساني حافلة بمواقف الصابرين ومخلدة لذكراهم .
وما صبر ايوب إلا نموذج من تلك النماذج الحية التي سطرت أروع معاني الصبر بحروف من ذهب ، حين تقلب حاله وانقلبت ايامه وصار الى ما صار اليه هنالك تعجز الكلمات عن الإحاطة بجوانب ذلك الصبر الطويل الذي صار مضرب مثل ودعاء صبر ايوب فكانت عاقبت ذلك كله فرج جميل وكذلك صبر ابراهيم فكانت النار بردا وسلاما نتيجة ذلك الصبر والاخلاص فيه وصبر ذا النون في بطن الحوت فنجاه ربه وجعله من المخلصين وصبر يعقوب فرد الله اليه ولداه وصبرت ام موسى فرد اليها ولدها وصبر موسى فنجاه ربه واغرق عدوه ، وصبر عيسى فرفعه ربه اليه ، وصبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فتوج صبره بالفتح المبين والبلاغ الكامل وحفظ الدين وما نحن فيه اليوم من إسلام وإيمان الى نتيجة من نتائج ذلك الصبر المتواصل عبر تسلسل الانبياء واتباعهم .
ثم صبر من بعد ذلك الاتقياء والائمة والفقهاء والصالحون فوقعت الفتن بداء من الفتنة الكبرى فلم تزحزهم عن الحق قيد انملة وامتحن الائمة فزادهم ذلك ثباتا على الحق وصلابة وهكذا هي سنة الله في الصابرين حتى تقوم الساعة
فالصبر ليس مفهوما هلاميا تعجز النفوس عن إدراكه ولا كلام يقال، بل هو حقيقة راسخة في قلوب الاقوياء والعظماء ممن كانت ثقتهم في ربهم كبيرة وصلتهم به قوية ومن تلكم النماذج صبر الإمام احمد بن حنبل في فتنة خلق القرآن فظل على قوله صابرا محتسبا حتى اظهر الله الحق على يديه ونجئ الله بذلك من الزيغ والضلال خلق كثير ، وصبر ابن تيمية حتى صار السجن خلوة يناجي فيها ربه ويستعين بها على ذكر الله حتى فرج الله همه وصبر المجددون بعد ذلك فلا تزال اثارهم ودعواتهم قائمة بين الناس
والصبر انواع صبر على طاعة الله وصبر عن محارم الله وصبر على الاذي في ذلك فالصبر صفة تتطلع الي مرادها النفوس ويزكي بها الله قلوب عباده الصالحين ولذلك ورد ذكر الصبر أكثر من تسعين مرة وفي مواطن مختلفة في القرآن الكريم وذكرت كلمة الصبر 102 مرة حيث قال تعالى :"إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ" الزمر 10 وقد أمر الله نبيه بالصبر وبشره وبشر الصابرين :" فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ" هود 49، وقد قرن الله تعالى الصبر بالعبادات حيث قرنه بالصلاة : "وَاستَعِينُوا بِالصّبرِ وَالصّلاة" البقرة45 ، وقال سبحانه وتعالي أن الصابرين في معيته حيث جاء في سورة الأنفال الآية 46: " واصبروا إن الله مع الصابرين".
وقال النبي محمد صلي الله عليه وسلم: ما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر
ويقول علي بن ابي طالب رضي الله عنه :
أصبر على مضض الإدلاج في السحر
وفي الرواح وفي الطاعات وفي البكر
إني رأيت وفي الأيام تجربة
للصبر عاقبة محمودة الأثر
وقلّ من جد في أمر يؤمله
واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر
الصبر صبران: صبر على ما تكره وصبر على ما تحب .
صبرك عن محارم الله أيسر من صبرك على عذاب الله. من صبر ظفر
- يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: وجدنا خير عيشنا الصبر
- قال الحسن: الصبر كنز من كنوز الخير، لا يعطيه الله إلا لعبد كريم عنده .
- قال عمر بن عبد العزيز: ما أنعم الله على عبد نعمة، فانتزعها منه، فعاضه مكانها الصبر، إلا كان ما عوضه خيرا مما انتزعه .
- الصبر جواد لا يكبو وصارم لا ينبو وحصن حصين ودرع متين ، يقول الشاعر :
إذا ما أتاك الدهر يوماً بنكبة
فأفرغ لها صبراً ووسع لها صدرا
فإن تصاريف الزمان عجيبة
فيوماً ترى يسراً ويوماً ترى عسرا
-وقيل: فاذا تصبك مصيبة فاصبر لها عظمت مصيبة مبتل لا يصبر ويحث شاعر على الصبر قائلا:
ترَدَّ رِدَاءَ الصـبر عنـد النـوائـبِ
تَنَلْ مِن جميل الصبر حُسن العواقبِ
فإذا بُليتَ بعثـرة فاصـبر لهـا
صَبْرَ الكـريم، فـإنّ ذلك أحزمُ
لا تشكُوَنّ إلـى الخـلائق إنّمـا
تشكو الرحيمَ إلى الّذي لا يرحمُ
وقيل في معنى الصبر ومقارنته بالشجاعة:
- الشجاعة هي الصبر و الثبات والإقدام على الأمور النافعة تحصيلاً وعلى الأمور السيئة دفعاً
- وقال حكيم لإبنه : يا بني.. إذا أردت أن تصاحب رجلاً فأغضبه.. فإن أنصفك من نفسه فلا تدع صحبته.. وإلا فاحذره..
وقال الأبيوردي: تنكَّر لي دهري ولم يدر أنني أعزّ وأحداث الزمان تهـــــون
فبات يريني الخطب كيف اعتداؤه وبتّ أريه الصبر كـــيف يكــــون
- وقيل عن الصبر: هو جواد لا يكبو، وصارم لا ينبو، وحصن حصين ودرع متين.."وهو بمنزلة الرأس من الجسد، وبمكان العينين من الجوارح.. فقد جاء في صحيح مسلم أن "الصبر ضياء".
وقيل: إن الصبر له من اسمه حظ، فهو مر مذاقه.. لكن عواقبه أحلى من الشهد.
- ومما نقله ابن القيم في مدارج السالكين أنه: "حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن المعصية".
إن الصبر خمس مراتب: الصابر والمصطبر والمتصبر والصبور والصبار، وهي درجات بعضها فوق بعض من حيث درجة الاحتمال وعظيم الأجر.
- ومن الأمثال الشعبية قيل : الـصبر مـفـتاح الفرج ، الصـبر بلــسم الجـروح ، الصبر شجرة جـذورها مرة وثمارها حلوة
ـ من صبر ظــفر ، مــن صبر وتـأنــي نـال ما تمنـى ، اللي اصبر يلحقو الظل ...