في شهادة تحمل دلالات سياسية وميدانية، أعادت كارمن جونز، المسؤولة السياسية السابقة ببعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية «المينورسو»، تسليط الضوء على أحد أبرز الشواهد المادية على استمرار النزاع في الإقليم: الجدار العسكري المغربي، الذي وصفته بـ«جدار العار»، في توصيف يعيد إلى الواجهة حقيقة واقع عسكري ممتد منذ ثمانينيات القرن الماضي.
وفي منشور على حسابها بمنصة «إكس»، استحضرت جونز صورة الجدار الذي شيدته القوات المغربية، وكتبت أنه أقيم لحماية الاحتلال العسكري المغربي للصحراء الغربية، مشيرة إلى امتداده على مسافة تقارب 2700 كيلومتر، وما يحيط به من تحصينات وخنادق وأسلاك شائكة وملايين الألغام الأرضية، قبل أن تختتم تعليقها بعبارة لافتة: «إنه الوجه الحقيقي للمغرب».
وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من الخلفية المهنية لصاحبتها، التي عملت في الشؤون السياسية داخل المينورسو، وتظهر وثائق دبلوماسية أمريكية تعود إلى عام 2006 اسمها ضمن الطاقم السياسي للبعثة. وهو ما يجعل منشورها جديرا بالقراءة في سياق تجربة مهنية ارتبطت بمتابعة الملف الصحراوي من داخل إحدى المؤسسات الأممية المعنية به، بعيدا عن الاكتفاء بتداول المواقف السياسية المتقابلة.
فجدار العار ليس مجرد حاجز رملي في قلب الصحراء، بل منظومة عسكرية ممتدة أقامها المغرب خلال سنوات الحرب، وتضم تحصينات ومواقع مراقبة وخنادق وحقولا من الألغام. وقد تحول هذا الجدار إلى أحد أبرز معالم تقسيم المجال الصحراوي، فاصلا بين المناطق الواقعة غربه والخاضعة للسيطرة المغربية والمناطق الواقعة شرقه، حيث تتمركز جبهة البوليساريو.
ولا تتوقف تداعيات هذا الجدار عند أبعاده العسكرية، إذ تظل الألغام ومخلفات الحرب تهديدا مستمرا لحياة المدنيين والرعاة، فضلا عن آثار التقسيم على التنقل والروابط الاجتماعية والامتداد الطبيعي للمجتمع الصحراوي. وبذلك، فإن الحديث عن الجدار لا يتعلق بمنشأة عسكرية فحسب، وإنما بواقع إنساني وجغرافي صنعته عقود من المواجهة.
وتبرز المفارقة في أن المغرب، الذي يسعى إلى تسويق مقاربته للنزاع باعتباره قضية قابلة للحسم عبر مبادرات سياسية ودبلوماسية، لا يزال يحتفظ بمنظومة عسكرية ضخمة على امتداد الإقليم. فالجدار يظل شاهدا على أن النزاع لم ينته، وأن الوقائع المفروضة على الأرض لم تنجح في إنهاء المطالبة الصحراوية بتقرير المصير، ولا في تجاوز المسار الأممي الذي ظل يؤكد ضرورة التوصل إلى حل سياسي يضمن ممارسة هذا الحق.
ومن هنا، تكتسب إشارة كارمن جونز إلى «جدار العار» بعدا يتجاوز التسمية؛ فهي تعيد توجيه الانتباه إلى الجانب الذي كثيرا ما يغيب خلف لغة المبادرات والتسويات: واقع عسكري قائم، وأرض مقسمة، وملف تصفية استعمار لم يجد بعد طريقه إلى تسوية نهائية.
إن الجدار الذي يمتد آلاف الكيلومترات لا يمكن أن يكون تفصيلا ثانويا في أي نقاش جدي حول مستقبل الصحراء الغربية. كما لا يمكن لأي تسوية أن تتجاهل آثاره الميدانية والإنسانية، أو أن تتعامل مع الوضع القائم باعتباره بديلا عن حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.
فمهما طال الجدار، ومهما تعاظمت تحصيناته، فإنه يظل واقعا عسكريا لا يحسم وحده مسألة السيادة ولا ينهي النزاع. وتلك هي الرسالة التي يعيد منشور صادر من داخل تجربة المينورسو وضعها أمام الرأي العام: الصحراء الغربية ليست مجرد ملف تفاوضي، وجدارها ليس مجرد خط رملي، بل عنوان أزمة سياسية وقانونية وإنسانية لا تزال تنتظر حلا عادلا.
