تقع المسؤولية الرئيسية عن المأزق الحالي في مجلس الأمن على عاتق الإدارة الأمريكية. ولا تعود هذه المسؤولية إلى المفاوضات الأخيرة بشأن تجديد ولاية بعثة المينورسو.
بل تندرج في إطار سياسة بدأت خلال الولاية الأولى لدونالد ترامب، مع اتفاقيات أبراهام والمقايضة السياسية والدبلوماسية التي أُبرمت مع المغرب، على حساب خيانة القضية الفلسطينية.
وقد كرّست هذه الصفقة، التي روجت لها جماعة الضغط القوية المؤيدة لإسرائيل، أيباك، منطق المقايضة الدبلوماسية، حيث استُخدمت حقوق شعب بأكمله كورقة تفاوض بين دولتين. ومن أجل تلبية الأطماع الاستعمارية المغربية، ضحّت إدارة ترامب بمبادئ القانون الدولي، ووجهت ضربة إضافية للتضامن العربي مع الشعب الفلسطيني.
لقد غيّرت هذه السابقة الموقف الأمريكي من القضية الصحراوية تغييراً عميقاً. فلم تعد واشنطن تتصرف باعتبارها وسيطاً نزيهاً يسعى إلى تقريب وجهات النظر. بل اضطلعت تدريجياً بدور المروج المتحمس للمطالب المغربية، وسعت إلى إدراجها ضمن الإطار المؤسسي للأمم المتحدة.
ويشكل المسار الحالي امتداداً لهذا التوجه. وتتحمل الإدارة الأمريكية المسؤولية الكاملة عن هذا المأزق، الذي يهدد بإشعال جولة جديدة من الأعمال العدائية على نطاق أوسع، وتعريض استقرار المنطقة بأسرها للخطر.
إن النتيجة المؤسفة لهذا العمى الأمريكي ماثلة أمام أعيننا اليوم. مشروعان متنافسان مرفوضان، وولاية بعثة المينورسو انتهت، ومجلس أمن عاجز عن التوصل إلى موقف موحد.
ومن خلال إساءة استغلال موقعها بصفتها حاملة القلم في مجلس الأمن، قدّمت الإدارة الأمريكية أجندتها الخاصة على سواها.
فقد استبعدت عدة تعديلات، وتجاهلت تحفظات جوهرية، وتخلت عن السعي إلى التوصل لتسوية مقبولة لدى أعضاء المجلس. وفضّلت الدفاع عن مشروع يتماشى إلى حد كبير مع مطالب الرباط، بدعم قوي من إسرائيل وجماعة الضغط المؤيدة لها.
وكما أكدت مراراً، فإن انحياز إدارة ترامب جعل مآل هذا المسعى متوقعاً. فلا يمكن لنص منحاز وغير متوازن إلى هذا الحد، يجعل من خطة الحكم الذاتي المغربية الإطار الوحيد للتفاوض، ويهمّش في الوقت نفسه مبدأ تقرير المصير، أن يحظى بتوافق. كما لا يمكنه تعزيز مسار سياسي حسم مسبقاً نتيجته.
لقد كشف الفيتو الروسي في 30 أكتوبر عن عواقب هذا النهج المتعسف. وجاء، منطقياً، ليعكس غياب الإرادة الواضح لدى واشنطن لبناء توافق داخل الهيئة نفسها المكلفة بالحفاظ على السلم والأمن الدوليين.
ويخدم هذا النهج أيضاً منطقاً آخر يتمثل في تهميش بعثة المينورسو تدريجياً، بعدما أصبحت، في نظر أنصار هذا التوجه، شاهداً مؤسسياً مزعجاً على نزاع تصفية استعمار لم يُحسم بعد.
وكان التشكيك في ولايتها وتسميتها ومهامها جزءاً من هذه الرغبة في تغيير معايير الملف دون التوصل مسبقاً إلى تسوية سياسية.
كما كان الهدف نقل مركز ثقل النزاع. وتمثل ذلك في تحويل قضية تصفية استعمار إلى مسألة إنسانية وهجرية بالأساس، من خلال وضع إحصاء اللاجئين في مقدمة الأولويات. وسعى هذا النهج إلى تهميش القضايا السياسية والإقليمية، وكذلك حق الشعب الصحراوي في تقرير مستقبله بحرية.
لم يعد الأمر يتعلق، إذن، بالبحث عن حل سياسي يتوافق مع مبادئ الأمم المتحدة، بل بتكييف الإطار الأممي تدريجياً مع الأهداف الإقليمية للمغرب. وهكذا تحوّل ادعاء أحادي الجانب وغير عادل إلى شرط مسبق لأي مفاوضات.
وتتضح المسؤولية الأمريكية أكثر بالنظر إلى أن واشنطن كانت على دراية بالخلافات العميقة بين أعضاء المجلس. ورغم هذه التحفظات، تمسكت إدارة ترامب بنهج متشدد لا يؤدي إلا إلى تقويض أي فرصة للتوصل إلى تسوية.
وخلطت بين الدعم الدبلوماسي لحليف تحظى مطالبه برعاية حلفائها في أيباك، والقدرة على فرض حل على المجتمع الدولي بأسره.
عمار بلاني
