بهذه العبارة يستعيد بروس ريدل، المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات المركزية ومجلس الأمن القومي الأمريكي، تجربة والده ميلتون ريدل، عندما شارك بصفته مسؤولا إداريا في بعثة أرسلتها الأمم المتحدة إلى عدن في أبريل/نيسان 1967، لمحاولة التوصل إلى وقف لإطلاق النار وترتيب انتقال السلطة مع اقتراب انتهاء الحكم البريطاني. كانت تجربة والده إحدى المحطات المبكرة في علاقة ريدل باليمن، والتي تتبعها في كتابه "أمريكا واليمن: علاقة معقدة ومأساوية"، الصادر عن مؤسسة بروكينغز. وللدقة فعنوان الكتاب يتحدث عن أمريكا واليمنين، أي اليمن الجنوبي واليمن الشمالي.
يستعرض ريدل في كتابه تاريخ العلاقات الأمريكية مع اليمن منذ القرن التاسع عشر، مرورا بالصراعات التي شهدها شمال البلاد وجنوبها خلال الحرب الباردة، ثم العلاقات مع الرئيس علي عبد الله صالح، وصولا إلى الحرب التي اندلعت عام 2015، وسياسات الإدارات الأمريكية المتعاقبة تجاهها. ويشدد على أن اليمن لم يحظ باهتمام كبير داخل الولايات المتحدة، رغم موقعه الإستراتيجي المطل على مضيق باب المندب، وارتباط تطوراته بأمن البحر الأحمر والمحيط الهندي.
وبشكل عام، تكتسب الكتب التي يؤلفها مسؤولون أمنيون سابقون أهمية، نظرا لأنهم أمضوا سنوات في متابعة بلدان ومناطق محددة، وشاركوا في إعداد التقديرات الاستخبارية، وصياغة الخيارات السياسية، وحضروا اجتماعات مع مسؤولين من تلك الدول. ومن ثم، تتيح مؤلفاتهم التعرف على رؤية بلادهم للتطورات في تلك الدول، والعوامل التي تؤثر في قراراتها، مع إدراك أن تلك النوعية من الكتب لا تكشف عادة كل شيء، حيث تخضع قبل النشر لمراجعة أمنية، لمنع الكشف عن معلومات مصنفة سرية.
وُلد بروس ريدل عام 1953 بمدينة نيويورك، وحصل على درجة البكالوريوس من جامعة براون، والماجستير من جامعة هارفارد، كما درس في الكلية الملكية للدراسات الدفاعية في لندن. والتحق بوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية عام 1977، واستمر في العمل بها حتى عام 2006. ومن المحطات البارزة في مسيرته المهنية، توليه منصب نائب رئيس فريق عمل الخليج العربي في الوكالة خلال أزمة غزو العراق للكويت وحرب الخليج عام 1991، وامتدت خبرته إلى العمل في مجلس الأمن القومي، حيث قدم المشورة لأربعة رؤساء أمريكيين في قضايا الشرق الأوسط، كما تولى منصب مساعد نائب وزير الدفاع لشؤون الشرق الأدنى وجنوب آسيا.
وبعد انتهاء خدمته الحكومية، انضم ريدل إلى معهد بروكينغز، ولم تنقطع صلته بدوائر صنع القرار الأمريكي، إذ عمل مستشارا في السياسة الخارجية لحملة أوباما الرئاسية عام 2008، ثم كلفه أوباما مطلع عام 2009 برئاسة لجنة مراجعة للسياسة الأمريكية تجاه أفغانستان وباكستان.
بدء العلاقات الثنائية
يُرجع ريدل بداية العلاقات الأمريكية مع اليمن إلى القرن التاسع عشر، عندما كانت عدن، التي احتلها البريطانيون عام 1839، أحد أهم الموانئ التجارية في العالم، بفضل موقعها على الطريق البحري الرابط بين أوروبا والهند، وبالأخص بعد افتتاح قناة السويس. وفي فبراير/شباط 1879، زار الرئيس الأمريكي يوليسيس غرانت عدن أثناء رحلته من مصر إلى الهند بعد مغادرته البيت الأبيض، في أول زيارة لرئيس أمريكي إلى اليمن، وإن كانت بصفته رئيسا سابقا.
بعد ذلك، أرسل الرئيس رذرفورد هايز أول قنصل أمريكي، جيمس ويليامز، إلى عدن في عام 1880، لتبدأ العلاقات القنصلية الأمريكية مع اليمن. اقتصرت مهام القنصلية الأمريكية في عدن على حماية مصالح السفن التجارية الأمريكية ومتابعة حركة الملاحة في المحيط الهندي، ولم تهتم واشنطن بإقامة علاقات مع المناطق اليمنية الداخلية، التي كانت ضمن مناطق النفوذ العثماني حتى الحرب العالمية الأولى، واتسمت بوعورة التضاريس وغياب الطرق والبنية التحتية.
بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، أعلن الإمام يحيى حميد الدين قيام المملكة المتوكلية في الشمال، بينما استمر الاحتلال البريطاني لعدن. وسعى الإمام إلى الحصول على اعتراف دولي بمملكته، فبعث عام 1918 رسالة إلى الرئيس الأمريكي ويلسون يطلب فيها الاعتراف بالدولة الجديدة، لكن ويلسون لم يرد عليه. وفي المقابل، كانت إيطاليا أول دولة تعترف باستقلال المملكة المتوكلية عام 1926، في إطار مساعي حكومة موسوليني لتعزيز نفوذها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، حيث كانت تحتل إريتريا وأجزاء من الصومال وتستعد لغزو إثيوبيا.
"كانت إيطاليا أول دولة تعترف باستقلال المملكة المتوكلية عام 1926، في إطار مساعي حكومة موسوليني لتعزيز نفوذها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي"
تغير الوضع خلال الحرب العالمية الثانية، مع تزايد الاهتمام الأمريكي بالشرق الأوسط بسبب موارده النفطية. ففي عام 1943، استقبل الرئيس روزفلت الأميرين السعوديين فيصل وخالد بن عبد العزيز في البيت الأبيض، ثم التقى الملك عبد العزيز آل سعود في فبراير/شباط 1945 على متن الطراد الأمريكي "كوينسي"، في لقاء أسهم في ترسيخ العلاقات بين البلدين.
أبدت الإدارة الأمريكية استعدادا للتواصل مع المملكة المتوكلية اليمنية، وفي مطلع عام 1945، بعث القنصل الأمريكي في عدن، هارلان كلارك، رسالة إلى الأمير أحمد بن يحيى، نجل الإمام يحيى، يستفسر فيها عن إمكانية إرسال وفد أمريكي إلى اليمن لبحث إقامة علاقات بين البلدين. ورد الأمير بالموافقة، فسافر كلارك برفقة طبيب إلى صنعاء للتمهيد للزيارة، والتقى الإمام ونجله أحمد الذي طلب مساعدة الولايات المتحدة في تطوير اليمن.
