قراءة في الأحداث | مشروع القرار الأمريكي بشأن الصحراء الغربية: محاولة لإعادة هندسة النزاع على حساب تقرير المصير

اخر تحديث:
كتب بواسطة:
RASD NEWS
المستقلة للأنباء

محتويات المقال

 

تكشف القراءة الأولية لمشروع القرار الأمريكي بشأن الصحراء الغربية أن الأمر لا يتعلق بمجرد تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو)، بل بطرح توجه جديد قد يعيد تشكيل الإطار السياسي والأممي الذي أُدير من خلاله النزاع لعقود، سواء على مستوى مرجعية التسوية السياسية أو طبيعة الحضور الأممي في الإقليم المحتل.

وإذا كان من المؤكد أن المشروع سيخضع لمفاوضات وتعديلات قبل التصويت عليه، فإن جوهر الإشكال يكمن في المنطلقات التي بُني عليها النص الأول، والتي تعكس اختلالاً واضحاً في التوازن بين الأطراف، من خلال منح المقترح المغربي للحكم الذاتي موقعاً مركزياً، مقابل طرح تغييرات عميقة في مهام المينورسو وتكوينها، قبل التوصل إلى تسوية سياسية تحظى بقبول الطرفين وتضمن ممارسة الشعب الصحراوي لحقه في تقرير المصير.

أولاً: من بعثة لتنظيم الاستفتاء إلى بعثة سياسية بلا أفق استفتائي واضح
إن المقترح الأمريكي بتغيير اسم المينورسو من «بعثة الأمم المتحدة لتنظيم استفتاء في الصحراء الغربية» إلى «بعثة الأمم المتحدة للصحراء» ليس تفصيلاً إدارياً أو شكلياً يمكن فصله عن السياق السياسي العام. فالتسمية الأصلية ترتبط مباشرة بالهدف الذي أُنشئت البعثة من أجله، وهو تنظيم استفتاء لتقرير المصير في إطار التسوية الأممية للنزاع.

أما الاسم الجديد، فيحذف الإشارة الصريحة إلى الاستفتاء، ويُبقي على توصيف جغرافي عام لا يحدد الغاية السياسية التي أُنشئت البعثة لتحقيقها.

ومع أن تغيير الاسم لا يلغي، بحد ذاته، الأساس القانوني لحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، فإن دلالته السياسية تستحق التوقف عندها، خصوصاً عندما يتزامن مع إنهاء ولاية البعثة لحفظ السلام بصيغتها الحالية، وتحويلها إلى بعثة سياسية خاصة.
وهنا يبرز السؤال الأساسي: هل يجري التفكير في تطوير آليات الأمم المتحدة بما يساعد على تنفيذ التسوية، أم في إعادة تعريف دورها بما يتلاءم مع مسار سياسي جديد لا يجعل الاستفتاء مرجعيته الواضحة؟

ثانياً: تقليص المكوّن العسكري قبل ضمان التسوية
يقترح المشروع إنهاء ولاية المينورسو لحفظ السلام في 30 أبريل 2027، ثم مواصلة أنشطتها بصفة بعثة سياسية خاصة لمدة ستة أشهر، مع خفض عدد الأفراد العسكريين المصرح بهم بنسبة لا تقل عن 50% بحلول 31 يناير 2027، وإغلاق مواقع الفرق ودمجها.

ويمثل هذا التوجه تحولاً خطيرا في طبيعة البعثة، إذ ينقل النقاش من تمديد ولاية قائمة إلى إعادة النظر في بنيتها ووظائفها ومواردها.
ولا تكمن المخاوف هنا في تقليص الوجود العسكري وحده، بل في توقيت هذا الإجراء والظروف السياسية التي يُقترح فيها. فالمينورسو تعمل في سياق نزاع لم يُحسم بعد، ولم تُنفذ فيه التسوية التي أُنشئت البعثة للمساهمة في تحقيقها والمتمثلة في الاشراف على تنظيم استفتاء لتقرير مصير الشعب الصحراوي. ولذلك، فإن تقليص مكونها العسكري وإعادة تشكيلها قبل الاتفاق على حل نهائي قد يثير تساؤلات بشأن قدرتها المستقبلية على أداء المهام الموكلة إليها.

كما أن مطالبة الأمين العام بتقديم مقترحات بشأن ولاية البعثة السياسية الخاصة وهيكلها ومواردها قبل 15 ديسمبر 2026 تعني أن المشروع لا يطرح مجرد تمديد مؤقت، بل يفتح مساراً مؤسسياً لإعادة تصميم الحضور الأممي في الصحراء الغربية.
ومن ثم، فإن المسألة الأساسية هي ضمان ألا تتحول إعادة الهيكلة إلى وسيلة لتقليص دور الأمم المتحدة في حماية مسار تقرير المصير، أو إلى إجراء يسبق التسوية بدلاً من أن يكون نتيجة لها.

ثالثاً: الحكم الذاتي المغربي من مقترح للتفاوض إلى مرجعية مفروضة
يتمثل أخطر جوانب المشروع في  توسيع المقترح المغربي للحكم الذاتي وتحديثه، مع تقديم الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية باعتباره الحل الوحيد القابل للتطبيق للنزاع.

فهنا لا يتعلق الأمر بمجرد الإشارة إلى مقترح أحد الأطراف ضمن الخيارات المطروحة للتفاوض، بل بمنحه موقعاً مرجعياً مسبقاً يضيّق مساحة التفاوض ويضعف مبدأ تكافؤ الأطراف ويقصي المقترح الذي تقدم به الطرف الصحراوي.
والفارق كبير بين أن يكون الحكم الذاتي مقترحاً يقدمه المغرب ويُناقش في إطار عملية سياسية أممية، وبين أن يُصاغ مشروع القرار بطريقة تجعل السيادة المغربية سقفاً نهائياً للتسوية، قبل التوصل إلى اتفاق بين الطرفين في قضية مصنفة منذ 1963 ضمن قضايا تصفية الاستعمار.

فالمفاوضات، لكي تكون ذات معنى، ينبغي أن تتيح بحث الخيارات على أساس من التوازن، لا أن تبدأ بتحديد النتيجة مسبقاً ثم تطلب من الطرف الآخر التفاوض داخل حدودها.
ومن هذه الزاوية، فإن الإشكال لا يتعلق برفض مناقشة المقترحات السياسية، بل برفض تحويل مقترح طرف واحد إلى أساس حصري للعملية التفاوضية، بما قد يؤدي عملياً إلى تفريغ المفاوضات من مضمونها وإضعاف فرص التوصل إلى تسوية عادلة ودائمة.

رابعاً: التناقض بين حصرية الحكم الذاتي والإقرار بحق تقرير المصير
يتضمن المشروع، في الوقت نفسه، تأكيداً على ضرورة التوصل إلى تسوية عادلة ودائمة ومقبولة لدى الأطراف، ومتوافقة مع ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه، بما فيها مبدأ تقرير المصير.

وهنا تكمن إحدى أبرز نقاط التناقض في النص.
فإذا كان تقرير المصير مبدأً يتعين احترامه، فكيف يمكن الجزم مسبقاً بأن حلاً واحداً، يقوم على السيادة المغربية، هو الحل الوحيد القابل للتطبيق، قبل أن يعبّر الشعب الصحراوي عن إرادته الحرة بشأن مستقبله؟

إن تقرير المصير ليس مجرد عبارة تُدرج في الفقرة الختامية من مشروع قرار، ولا يمكن التعامل معه باعتباره مبدأً عاماً منفصلاً عن المضمون الفعلي للتسوية. بل ينبغي أن ينعكس في طبيعة العملية السياسية، وفي ضمانات مشاركة الشعب الصحراوي، وفي قدرة هذه العملية على الوصول إلى نتيجة تعبّر عن إرادته.

ومع ذلك، من الضروري التمييز بين الدلالة السياسية للنص وآثاره القانونية: فمجرد ورود عبارة «الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية» لا يحسم وحده الوضع القانوني للإقليم، كما أن ذكر تقرير المصير لا يضمن تلقائياً احترامه. ويظل التقييم مرتبطاً بالنص النهائي، وبمرجعيات الأمم المتحدة ذات الصلة، وبكيفية ترجمة هذه المبادئ إلى آلية فعلية للتسوية.

إن الاختلالات الواردة في المسودة الأولى تفتح الباب أمام اعتراضات ومطالب بتعديلات من أعضاء مجلس الأمن الذين قد يرون أن النص، بصيغته الحالية، يمنح أفضلية واضحة للموقف المغربي، ويطرح تغييرات جوهرية في المينورسو دون ضمانات كافية بشأن مستقبل العملية السياسية.
وستتركز المعركة التفاوضية، على الأرجح، حول ثلاثة محاور رئيسية:

مرجعية التسوية: منع حصر المفاوضات في مقترح الحكم الذاتي المغربي، والتأكيد على ضرورة أن تكون العملية السياسية متسقة مع حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.

مستقبل المينورسو: مراجعة المقترحات المتعلقة بتغيير اسم البعثة، وإنهاء ولايتها لحفظ السلام، وتقليص مكونها العسكري، وضمان عدم إفراغها من المهام المرتبطة بالغاية التي أُنشئت من أجلها.

التوازن القانوني والسياسي: ضمان ألا تتحول الإشارات العامة إلى ميثاق الأمم المتحدة وتقرير المصير إلى مجرد غطاء لغوي لمسار يحدد النتيجة مسبقاً.

ومع ذلك، فإن توقع تعديل المشروع لا يعني بالضرورة أن التعديلات ستكون جوهرية أو أنها ستزيل جميع الاختلالات. فقد تنحصر في تحسين الصياغة، أو إعادة ترتيب الفقرات، أو إدراج عبارات تؤكد التوازن، مع الإبقاء على جوهر التوجه الأمريكي. لذلك، ينبغي تقييم أي صيغة منقحة على أساس مضمونها الفعلي، لا على أساس التغييرات الشكلية وحدها.

خامسا : الرهان الحقيقي يتجاوز تمديد الولاية
من الخطأ النظر إلى مشروع القرار باعتباره مجرد نص سنوي لتجديد ولاية المينورسو. فالمقترحات المتعلقة بإعادة هيكلة البعثة وتقليص مكونها العسكري، بالتوازي مع منح الحكم الذاتي المغربي موقعاً مركزياً، تشير إلى احتمال الانتقال من إدارة النزاع ضمن إطار أممي قائم إلى إعادة تشكيل هذا الإطار نفسه.
وهذا ما يجعل النقاش حول المسودة أكثر حساسية من مفاوضات التمديد التقليدية؛ لأن القرارات المتعلقة باسم البعثة ووظيفتها ومواردها قد تترتب عليها آثار تتجاوز مدة الولاية المقبلة، وتؤثر في طبيعة الدور الذي ستضطلع به الأمم المتحدة خلال المرحلة اللاحقة.
وبالنسبة إلى جبهة البوليساريو، فإن التحدي لا يقتصر على الاعتراض على بعض فقرات المشروع، بل يتمثل في الدفاع عن الأساس الذي قامت عليه العملية الأممية، ومنع تحويل تدابير إدارية وأمنية إلى مدخل لإعادة تعريف التسوية السياسية خارج مبدأ تقرير المصير.
أما بالنسبة إلى أعضاء مجلس الأمن، فإن الاختبار يتمثل في تحديد ما إذا كان المجلس سيحافظ على دوره كإطار دولي لتيسير تسوية عادلة ومقبولة لدى الطرفين، أم سيتجه إلى تبني صيغة تضعف التوازن المطلوب للعملية السياسية.

الخلاصة: معركة على مضمون التسوية لا على صياغة القرار فقط
تكشف المسودة الأمريكية الأولى عن توجه يتجاوز تجديد ولاية المينورسو، ويجمع بين إعادة تشكيل البعثة الأممية وإعادة ترتيب المرجعية السياسية للنزاع، عبر تقديم الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره الحل الوحيد القابل للتطبيق.

وتكمن المفارقة في أن المشروع يؤكد احترام تقرير المصير، لكنه يطرح في الوقت نفسه صيغة قد تقيّد مسبقاً نطاق الخيارات المتاحة أمام الشعب الصحراوي.
ومن هنا، فإن التعديل المطلوب لا ينبغي أن يقتصر على تحسين اللغة الدبلوماسية للنص، بل يجب أن يمس جوهره: ضمان عدم فرض نتيجة مسبقة على المفاوضات، والحفاظ على الدور الأممي، وربط أي إعادة هيكلة للبعثة بمتطلبات التسوية لا باستباقها.

فالاختبار الحقيقي لمجلس الأمن ليس قدرته على صياغة قرار جديد، بل قدرته على منع تحول القرار إلى أداة لإعادة هندسة النزاع على حساب حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.
شارك المقال:
كاتب ومدون

كاتب ومدون في هذا الموقع، يهتم بتقديم محتوى حصري ومفيد للقارئ العربي.