في ظل الجدل الذي أثارته المسودة الأمريكية المتداولة لمشروع قرار مجلس الأمن بشأن الصحراء الغربية، وما رافقها من تهويل إعلامي وتصريحات توحي بأن القضية الصحراوية تقترب من نهايتها، تبرز ضرورة قراءة هذه التطورات بوعي سياسي ودقة قانونية، بعيدًا عن الشائعات والحرب النفسية، ودون التقليل من خطورة المرحلة وتداعياتها المحتملة.
وإلى أبناء شعبنا الصحراوي في الأرض المحتلة ومخيمات اللاجئين والأراضي المحررة والشتات، ينبغي التأكيد منذ البداية على حقيقة جوهرية: مهما بلغت خطورة التحولات السياسية داخل مجلس الأمن، فإنها لا تعني نهاية قضية الصحراء الغربية، ولا سقوط حق الشعب الصحراوي غير القابل للتصرف في تقرير المصير والاستقلال.
لقد تضمنت المسودة المتداولة، المؤرخة في 20 أكتوبر 2026، مقترحات لتغيير تسمية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو)، وتقليص مكونها العسكري، وتحويلها لاحقًا إلى بعثة سياسية، إلى جانب جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي الأساس الوحيد للمفاوضات.
وإذا كانت هذه المقترحات تعكس توجهًا سياسيًا بالغ الخطورة، فإن التعامل معها باعتبارها حسمًا نهائيًا للقضية يمثل قفزًا على حقائق قانونية وتاريخية لا يمكن تجاهلها.
الصحراء الغربية قضية تصفية استعمار لا ينهيها تغيير اسم بعثة أممية
إن الصحراء الغربية مدرجة منذ سنة 1963 على قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، أي قبل إنشاء بعثة المينورسو بنحو ثلاثة عقود.
وهذا يعني أن الوضع القانوني للإقليم لا يستمد وجوده من بعثة المينورسو، ولا يتوقف على استمرارها أو تغيير تسميتها أو تعديل اختصاصاتها.
كما أن محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري الصادر في 16 أكتوبر 1975، لم تجد روابط سيادة إقليمية بين الصحراء الغربية والمملكة المغربية أو الكيان الموريتاني من شأنها التأثير في تطبيق مبدأ تقرير المصير وفق القرار 1514 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وعليه، فإن تغيير اسم المينورسو أو إنهاء بعض مهامها لا يعني إنهاء قضية تصفية الاستعمار، ولا يمنح المغرب السيادة القانونية على الإقليم، ولا يسقط حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.
فالمهمة التي أُنشئت من أجلها بعثة أممية قد تتغير بفعل قرار سياسي، لكن ذلك لا يعني أن القضية التي استدعت إنشاءها قد سُويت قانونيًا.
مجلس الأمن لا يشطب الصحراء الغربية تلقائيًا من لجنة تصفية الاستعمار
وهنا تبرز إحدى أهم الحقائق التي ينبغي توضيحها للرأي العام الصحراوي.
إن اعتماد مجلس الأمن قرارًا جديدًا بشأن المينورسو، مهما كانت صياغته، لا يترتب عليه تلقائيًا سحب ملف الصحراء الغربية من جدول أعمال اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، ولا شطب الإقليم من قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.
فاللجنة الرابعة، التي تتناول ضمن اختصاصاتها قضايا تصفية الاستعمار، تعمل في إطار الجمعية العامة للأمم المتحدة، بينما يتولى مجلس الأمن مسؤولياته الخاصة بحفظ السلم والأمن الدوليين.
ورغم الترابط السياسي بين عمل الجهازين، فإن تغيير ولاية بعثة تابعة لمجلس الأمن ليس إجراءً قانونيًا كافيًا بذاته لإنهاء نظر الجمعية العامة في قضية تصفية استعمار.
ولا تزال الصحراء الغربية مدرجة على قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، ولم تستكمل عملية تصفية الاستعمار فيها وفق ممارسة الشعب الصحراوي حقه في تقرير المصير.
ومن ثم، فإن تصوير أي تعديل في مهام المينورسو باعتباره شطبًا للقضية من الأمم المتحدة هو خلط بين مسارين مختلفين: المسار السياسي لإدارة النزاع، والمسار القانوني لتصفية الاستعمار.
والأهم من ذلك أن أي قرار سياسي جديد لا يستطيع بمجرد تغيير المصطلحات أو إعادة تنظيم بعثة أممية أن يمحو الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، أو ينسخ تلقائيًا قرارات الجمعية العامة المتعلقة بتصفية الاستعمار، أو يحوّل مقترحًا سياسيًا أحاديًا إلى تعبير عن الإرادة الحرة للشعب الصحراوي.
الحكم الذاتي لا يصبح تعبيرًا عن تقرير المصير بمجرد اعتماده أساسًا للتفاوض
إن أخطر ما تتضمنه المسودة المتداولة لا يتعلق باسم البعثة وحده، وإنما بمحاولة حصر المفاوضات في مقترح الحكم الذاتي المغربي، بما قد يؤدي إلى إقصاء خيارات أخرى من مسار التسوية.
وهنا يجب التمييز بين دعم مجلس الأمن لإطار تفاوضي معين وبين تحقق حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.
فهذا الحق لا يتحقق بمجرد اختيار القوى الدولية لصيغة سياسية تراها مناسبة، وإنما يقتضي احترام الإرادة الحرة والحقيقية للشعب المعني.
كما أن عدم صدور قرار بموجب الفصل السابع لا يكفي وحده للحكم بعدم إلزاميته؛ فالقوة القانونية لأي قرار تتحدد وفق مضمونه وصياغته وسنده في ميثاق الأمم المتحدة.
لكن ذلك لا يعني أن قرارًا يتعلق بإدارة المفاوضات يستطيع تلقائيًا فرض قبول الشعب الصحراوي بالسيادة المغربية أو اعتبار حقه في تقرير المصير قد استُنفد.
فثمة فرق جوهري بين تغيير قواعد التفاوض سياسيًا وبين إنهاء قضية تصفية استعمار قانونيًا.
البوليساريو أمام اختبار تاريخي.. وخمسون عامًا من النضال ليست محل مساومة
لقد جاء موقف جبهة البوليساريو من المسودة الأمريكية ليعكس خطورة ما يجري تداوله بشأن مستقبل العملية السياسية.
ففي رسالة نُشرت باسم ممثل الجبهة لدى الأمم المتحدة، الدكتور سيدي محمد عمر، بتاريخ 22 أكتوبر 2026، حذرت الجبهة من أنها قد تجد نفسها مضطرة إلى الانسحاب من عملية السلام برمتها إذا اعتُمدت المسودة دون تغييرات جوهرية وذات مغزى.
وإذا تقرر هذا الانسحاب، فإنه سيمثل تطورًا سياسيًا بالغ الأهمية، وقد يضع العملية الأممية أمام أزمة جديدة تتعلق بأسس التسوية وقبول طرفي النزاع بها.
غير أن انسحاب جبهة البوليساريو من عملية السلام، إن تقرر، لا يعني انسحاب القضية الصحراوية من الأمم المتحدة، ولا شطب الصحراء الغربية من قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.
فالعملية السياسية وسيلة للبحث عن حل، أما حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير فهو حق أصيل لا يتوقف وجوده على استمرار المفاوضات أو تعثرها.
إن قيادة جبهة البوليساريو، التي تحملت مسؤولية الدفاع عن القضية الوطنية طوال أكثر من خمسة عقود، لا يُنتظر منها أن تساوم على جوهر الحق الذي تأسست الجبهة للدفاع عنه، أو أن تقبل بتحويل كل تلك التضحيات إلى ترتيبات سياسية تتجاوز الإرادة الحرة للشعب الصحراوي.
ومن هذا المنطلق، فإن المرحلة الراهنة تتطلب من القيادة الصحراوية أعلى درجات الجاهزية السياسية والدبلوماسية، والقدرة على التعامل بندية ومسؤولية مع مختلف الأطراف الدولية، والتصدي لكل محاولة للالتفاف على حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.
فخمسون عامًا من النضال والتضحيات ليست رصيدًا قابلًا للمقايضة، وحق تقرير المصير ليس امتيازًا تمنحه القوى الكبرى أو تسحبه متى شاءت.
لقد قام مخطط التسوية الأممي الإفريقي، الذي وافق عليه طرفا النزاع سنة 1988، على تنظيم استفتاء لتقرير مصير الشعب الصحراوي، وهو الهدف الذي أُنشئت من أجله بعثة المينورسو سنة 1991.
ومن هنا يبرز التساؤل الجوهري: كيف يمكن الحديث عن استمرار عملية سلام قائمة على التوافق إذا جرى حصر المفاوضات في مقترح أحد الطرفين دون موافقة الطرف الآخر؟
أخطر ما يمكن أن يحققه الاحتلال: شرخ بين الشعب الصحراوي وقيادته
إن أخطر المكاسب التي قد يراهن عليها الاحتلال المغربي من هذه التطورات لا تقتصر على تغيير صياغات القرارات الأممية أو التأثير في طبيعة المفاوضات، بل قد تتمثل في استغلال حالة القلق والارتباك لإضعاف الثقة بين الشعب الصحراوي وقيادته السياسية.
فحين تُقدَّم المسودات والتصريحات السياسية باعتبارها نهاية القضية، يمكن أن تتحول حالة الإحباط إلى أداة لإضعاف التماسك الداخلي، وخلق انطباع بأن عقودًا من النضال قد انتهت دون نتيجة.
ومن هنا تبرز خطورة الحرب النفسية المصاحبة للتطورات الدبلوماسية، خصوصًا عندما يجري الخلط بين الانتكاسات السياسية المحتملة وبين سقوط الحقوق القانونية للشعوب.
غير أن حماية الوحدة الوطنية لا تعني مصادرة النقد أو منع الاختلاف، بل تعني التمييز بين النقد المسؤول، الذي يسعى إلى تصحيح الأخطاء وتعزيز المؤسسات الوطنية، وبين الخطاب الذي يحوّل القلق المشروع إلى قطيعة وفقدان شامل للثقة.
ومن حق الشعب الصحراوي أن ينتظر من قيادته الوضوح والمصارحة والجاهزية، مثلما أن من مسؤولية مختلف القوى الوطنية والإعلامية والمجتمع المدني عدم الانجرار وراء الشائعات أو الأحكام المتسرعة.
فإذا كانت بعض الأطراف تراهن على تغيير موازين القوى داخل مجلس الأمن، فإن أخطر رهان يمكن أن ينجح هو تحويل تلك التحولات إلى أزمة ثقة داخل البيت الصحراوي.
ولذلك، فإن صيانة وحدة الصف الوطني، القائمة على الثقة والمصارحة والنقد البناء، ليست مجرد شعار سياسي، بل ضرورة لمواجهة مرحلة قد تكون من أكثر مراحل القضية تعقيدًا.
بين خطورة المرحلة وثبات الأساس القانوني
لا ينبغي التقليل من أثر أي قرار قد يعتمده مجلس الأمن، فقد تترتب عليه تحولات فعلية في مهام الأمم المتحدة، وآليات المراقبة، وطبيعة المفاوضات، ومستقبل العملية السياسية.
لكن من الخطأ أيضًا منح تلك التحولات نتائج قانونية لم تتحقق.
فالصحراء الغربية لم تُدرج على قائمة تصفية الاستعمار بقرار من بعثة المينورسو، حتى يُنهي تغيير اسم تلك البعثة وضعها القانوني.
ولم ينشأ حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير بقرار من دولة كبرى، حتى يسقط بتغير موقفها.
كما أن التسوية السياسية لا تصبح عادلة ودائمة بمجرد تبنيها دوليًا، ما لم تحترم الحقوق الأساسية للشعب المعني وإرادته الحرة.
وهذه حقائق ينبغي أن تكون حاضرة في الخطاب الإعلامي والسياسي الصحراوي، خصوصًا في مواجهة الروايات التي تسعى إلى تصوير كل تطور داخل مجلس الأمن باعتباره انتصارًا نهائيًا لطرف وهزيمة نهائية للطرف الآخر.
إلى الشعب الصحراوي: الوعي والثبات ووحدة الصف
إلى أبناء شعبنا الصحراوي في الأرض المحتلة ومخيمات اللاجئين والأراضي المحررة والشتات:
نحن أمام مرحلة دقيقة، وربما أمام تحديات سياسية ودبلوماسية كبيرة، لكننا لسنا أمام نهاية القضية الصحراوية.
قد تتغير أسماء البعثات الأممية، وتتبدل صياغات القرارات، وتتغير مواقف القوى الكبرى، وقد تتعثر العملية السياسية أو تتوقف، لكن ذلك لا يؤدي تلقائيًا إلى شطب الصحراء الغربية من جدول أعمال لجنة تصفية الاستعمار، ولا يغيّر الأساس القانوني لحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.
إن خمسة عقود من النضال وما رافقها من تضحيات وصمود تفرض علينا مسؤولية مضاعفة: أن نحافظ على وحدة الصف الوطني، وأن نواجه التطورات بوعي سياسي وقانوني، وأن نطالب قيادتنا بأعلى درجات الجاهزية والوضوح والمسؤولية.
فلا ينبغي أن يتحول الضغط الخارجي إلى انقسام داخلي، ولا أن تتحول مسودة قرار إلى أداة لزعزعة الثقة بين الشعب الصحراوي وقيادته.
إن قضية الصحراء الغربية أكبر من بعثة أممية، وأعمق من مسودة قرار، وأرسخ قانونيًا من أن تُطوى بمجرد تغيير المواقف السياسية.
قد تتغير قواعد اللعبة السياسية، لكن ذلك لا يلغي قواعد القانون الدولي، ولا يسقط حق الشعب الصحراوي غير القابل للتصرف في تقرير المصير.
إن الشعب الصحراوي، الذي صمد لأكثر من نصف قرن دفاعًا عن حريته وكرامته، يدرك أن عدالة القضية وحدها لا تكفي في عالم تحكمه المصالح وموازين القوى. فالحقوق لا تُصان بالنصوص والقرارات وحدها، وإنما تحتاج إلى إرادة وطنية صلبة، ووحدة شعبية راسخة، وقيادة تمتلك الجاهزية والقدرة على الدفاع عنها في مختلف الميادين.
فالقانون يمنح الشعوب مشروعية حقوقها، لكن القوة السياسية والدبلوماسية والوطنية هي التي تسهم في حمايتها من الالتفاف عليها.
وفي عالم السياسة، حيث لا تكفي العدالة وحدها لردع الأطماع، تبقى الحقيقة القاسية:
«الحق الذي لا يستند إلى قوة تحميه، باطلٌ في شَرْع السياسة»
Mansour khatat
Kentucky Florence
1:17 AM
October 23, 2026.
@highlight
