قراءة تفكيكية في مشروع واشنطن الميت و وقفة الردع الصحراوية الخالدة
بقلم: بابوزيد محمد سعيد
- الوثيقة الميتة.. حين يحاول الاستعمار مصادرة الوجود بجرة قلم
إن ما سُمي بـ "المسودة الصفرية" (Zero Draft) المتداولة يوم 22 أكتوبر 2026 ليست مجرد شطحة دبلوماسية أو وثيقة سياسية عابرة، بل هي جريمة مركبة ومكشوفة ترتكبها الإمبريالية الأمريكية ضد القانون الدولي، والإنسانية، والتاريخ.
بحسب التسريبات الصريحة، تجرأت الفقرة الرابعة من هذه المؤامرة على القول:
"الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمثل الطريق الأنجع لإنهاء هذا النزاع الطويل"
وتتمادى في الوقاحة لوصف مبادرة الحكم الذاتي المغربية لسنة 2007 بأنها:
"الحل الوحيد الواقعي والعملي... والأساس الأكثر مصداقية وجدوى"
هذا التبجح العاري يكشف نية صريحة لتصفية قضية تحرر وطني مقدسة، وتكريس شريعة الغاب تحت مظلة أممية متورطة.
إن تحويل لغة المقترح من "حل محتمل" إلى "الحل الوحيد" هو محاولة لشرعنة الاحتلال القسري. لكنهم ينسون أن الشعوب الواقعة تحت الاستعمار لا تستجد حريتها من مطابخ الصفقات المشبوهة. من هنا نبدأ التفكيك والتعرية والرد.
أولاً: ماذا تقول وثيقة العار بالضبط؟
لكي يرى شعبنا والعالم وجه المؤامرة الصريح دون رتوش، نضع نصوص مسودة الخيانة كما هي:
* طمس اسم البعثة وشطب الاستفتاء: "يقترح المشروع تغيير اسم بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية إلى 'بعثة الأمم المتحدة للصحراء الغربية' (MINUSO)" — محاولة بائسة لشطب كلمة "الاستفتاء" وكأن محوها من الورق يمحوها من ذاكرة ودماء الشهداء.
* فرض الوصاية والحكم الذاتي كغمد للعبودية: تصنيف مبادرة الحكم الذاتي لسنة 2007 كـ "الحل الوحيد الواقعي والعملي" و"الأساس الأكثر مصداقية" لإغلاق الملف لصالح المحتل.
* تجريد البعثة وإخلاء الساحة للاحتلال: "إنهاء تفويض البعثة في حفظ السلام في 30 أبريل 2027، وتحويلها لبعثة سياسية شكلية حتى 31 أكتوبر 2027"، مع "تقليص 50% من أفرادها بحلول 31 يناير 2027 وإغلاق مواقعها" — في إشارة واضحة لرفع الغطاء الدولي وترك الشعب الصحراوي فريسة لبطش المحتل.
* الابتزاز والتهديد المباشر: التعبير عن "الأسف لإخفاق أحد الطرفين"، وربط أي عملية سياسية بالقبول الصريح واللامشروط بمبادرة الحكم الذاتي، تحت تهديد فرض "إجراءات عقابية" على من يرفض الامتثال.
ثانياً: الأبعاد القانونية – نسف الشرعية الدولية وفضيحة الانحياز
تستند هذه المسودة إلى انحراف قانوني سافر، يحاول مسخ الأمم المتحدة من هيئة لتقرير مصير الشعوب إلى أداة قمع استعمارية تمرر الغزو:
أ/ الانتهاك الصارخ للقواعد الآمرة (Jus Cogens)
حق تقرير المصير ليس منحة أمريكية ولا مكرمة ملكية؛ إنه قاعدة آمرة مقدسة في القانون الدولي لا تقبل المساومة أو الاندحار. فرض "الحكم الذاتي تحت الاحتلال" كخيار يتيم يغتال جوهر تقرير المصير (الاستقلال التام، الاتحاد، أو الاندماج الحر).
هذا النص باطل بطلاناً مطلقاً ولن يكتسب أي أثر قانوني لو اجتمعت عليه قوى الأرض. كما أن المسودة تقفز على قرار مجلس الأمن 2797 نفسه، لتصادر حقوق الشعوب بالقوة.
ب/ تقويض القرار 690 وانقلاب على اتفاق التسوية
تأسست بعثة (MINURSO) بقرار مجلس الأمن 690 عام 1991 كعقد دولي ملزم بين جبهة البوليساريو والمغرب. تغيير اسمها إلى (MINUSO) وتجريدها من تفويضها العسكري والسياسي هو انقلاب أحادي ومكشوف على الاتفاق الأصلي، ومحاولة خبيثة لانتزاع الصفة التمثيلية والقانونية عن جبهة البوليساريو. اسم البعثة المضمّن لـ "الاستفتاء" ليس مجرد لافتة، بل هو تعهد دولي يحاول صُنّاع هذه المسودة الهروب منه كالجبناء.
ج/ مكافأة العدوان وتكريس الاستيلاء بالقوة
تضرب المسودة المادة 2/4 من ميثاق الأمم المتحدة التي تحرم احتلال أراضي الغير بالقوة عرض الحائط. واشنطن تقدم مكافأة مجانية لدولة الاحتلال المغربي، وتتجاهل جهاراً نهاراً الفتوى التاريخية لمحكمة العدل الدولية لعام 1975 التي حسمت أنه لا توجد أي روابط سيادة للمغرب على الصحراء الغربية.
ثالثاً: الأبعاد السياسية – وقاحة الابتزاز وتجار الحروب
سياسياً، تكشف المسودة عن السقوط الأخلاقي للدبلوماسية الأمريكية التي تحول قضايا الشعوب العادلة إلى بضاعة في أسواق الدعاية الانتخابية والصفقات الجيوسياسية:
* تسليع دماء الشهداء: التلميح الفج لـ "قيادة ترامب" يعري الحقيقة: القضية الصحراوية تُباع وتُشترى في مزاد التطبيع والعمالة والمكاسب الاقتصادية والأمنية الخسيسة.
* الدبلوماسية الإرهابية (التصفية عبر التهديد): التهديد الصريح بـ "فرض مزيد من الإجراءات" في الفقرة الحادية عشرة هو ممارسة إرهاب سياسي ضد جبهة البوليساريو لتركيعها، وهو مالم ولن يتحقق.
* المسخ السياسي لطبيعة الصراع: تحويل الصراع بوقاحة من قضية "تصفية استعمار" حاسمة إلى مجرد نزاع إقليمي أو محلي على "إدارة ذكية للاحتلال". حظر كلمة الاستفتاء وتبديل اسم البعثة رسالة واضحة: الاستعمار يريد إلباس الاحتلال ثوب الشرعية الأممية.
رابعاً: الأبعاد الفلسفية – صراع الإرادة الفولاذية ضد منطق القوة الغاشمة
على الصعيد الفلسفي، نعيش في قلب معركة وجودية كبرى بين منطقين:
* مأزق القوة الغاشمة (Realpolitik): المنطق الإمبريالي الذي يفترض أن الحق يصنعه الأقوياء بالصفقات والصفعات المتبادلة.
* عظمة الحق الطبيعي (Natural Law): الإيمان الراسخ بأن الحرية حق فطري متجذر في دماء الشعب الصحراوي، لا يمنحه غاصب ولا تسلبه إمبراطورية.
إن فرض السيادة القسرية هو محاولة لإلغاء الذات والوجود الصحراوي.
لكن الفلسفة والتاريخ تؤكدان أن "السلام" القائم على القهر والافتراس ليس إلا هدنة مؤقتة فوق بركان يستعد للانفجار.
الإرادة الحرة للشعوب الحية ستظل دائماً القوة العظمى التي تسحق الواقعية السياسية الزائفة.
خامساً: تهافت الزيف وسقوط الأوهام..
تفكيك أطروحات الاستعمار
لن نترك للعدو ورقة توت يستتر بها، ولا وهمًا ينسج منه شرعية مفقودة. إن الحجج التي يتكئ عليها صناع هذه المسودة ورعاتها ليست سوى قشور أيديولوجية تتهشم أمام صخرة الحق الساطع. ونحن هنا لا نناقش شبهاتهم بل ننسفها من جذورها:
* زعمهم أن "الحكم الذاتي حل واقعي ووحيد":
نردّ ونقول: إن هذه "الواقعية" المزعومة ليست إلا الاسم الحركي لشرعنة الاغتصاب والتسليم للأمر الواقع. أيّ واقعية هذه التي تبدأ بمصادرة إرادة أصحاب الأرض وتشريع احتلالهم؟
إن سلاماً يُبنى على قهر الشعوب وتكميم أهواؤها هو مجرد "هدنة مؤقتة فوق بركان"، تسبق انفجاراً أعتى وأشد. إن "الواقعي" بحق هو ما تعمّده الشعوب بحريتها في صناديق الاقتراع أو ببنادقها في ساحات الشرف، وليس ما يمليه المستعمر في كواليس الصفقات.
والقول بـ "الحل الوحيد" هو وقاحة سياسية تنكر جوهر حق تقرير المصير، الذي يضمن الاستقلال الناجز كخيار أصيل لا يملك أحد مصادرته.
* ادعاؤهم أن "جبهة البوليساريو لم تعد طرفاً رئيساً":
نردّ ونقول: إن الحقائق التاريخية والوثائق الأممية المعمدة بالدماء لا تُمحى بشطبة قلم من دبلوماسي طارئ. جبهة البوليساريو هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصحراوي بقرار من الأمم المتحدة وبإرادة هذا الشعب العصية على الانكسار.
وإن محاولة انتزاع صفة "الطرف" عبر الحيلة البائسة بتغيير اسم البعثة وشطب مفردة "الاستفتاء"، هي إعلان عجز عن المواجهة وإلغاء صريح لمنطق التفاوض والعملية السياسية برمتها. من يلغي الطرف الآخر لا يبحث عن حل، بل يعلن حرب تصفية وجودية.
* احتجاجهم بأن "القرار يعكس ميزان القوى الجديد":
نردّ ونقول: لم يكن ميزان القوى يوماً صانعاً للشرعية، ولا خاليًا للحقوق. إن موازين القوى تتغير وتتحول كرمال الصحراء، والإمبراطوريات تسقط تحت أقدام الحفاة حين يقررون نيل حريتهم.
الشرعية لا تُستجدى من صفقات الفيتو أو الهيمنة الإمبريالية، بل تُكتب في الوجدان الإنساني وتتغذى من شرعية القضايا العادلة.
القوة قد تحتل أرضاً وتشتري ذمماً، لكنها أبدًا لا تمنح غاصباً حقاً، ولا تحول المظلوم إلى جاني.
* ادعاؤهم أن "المسودة خطوة تاريخية نحو السلام":
نردّ ونقول: سلامكم هذا هو سلام المقابر، ووداعية المحتضر للشرعية الدولية! إن السلام الذي يُبنى على ذبح شعب وتصفية قضيته التاريخية هو إعلان حرب مُغلف بالورق السلوفاني.
السلام الذي يهرب من كلمة
"الاستفتاء" ويستحي من مواجهة إرادة الشعوب هو سلام منقوص ومحكوم عليه بالفناء عند أوّل هبّة للكرامة.
كيف يزرعون بذور السلام وهم يدفنون الحق والعدل؟ إنهم لا يصنعون سلاماً، بل يكتبون شهادة وفاة للأمم المتحدة ولأي أمل في نظام دولي عادل.
سادساً: صخرة الإرادة الصحراوية..
هنا تتحطم كل المؤامرات
إن الرد الحاسم والرعدي لجبهة البوليساريو في رسالتها لمجلس الأمن بتاريخ 22 أكتوبر 2026 لم يكن مجرد ورقة دبلوماسية، بل كان بياناً وجودياً وصرخة صمود تفهم العدو قبل الصديق أن الشعب الصحراوي عصي على الكسر والترويض:
* الانسحاب الكامل والكرامة أولاً: التهديد بالانسحاب النهائي من العملية السياسية العبثية يؤكد أننا لن نكون مجرد شواهد زور في مسرحية أممية بائسة.
* رفض الوصاية والركوع: لا واشنطن ولا غيرها تملك حق الوصاية على شعب أبطال. "الحكم الذاتي" تحت أقدام المحتل هو محض وهم، فالأحرار لا يفاوضون على مقاس الأغلال.
* التاريخ لا يرحم الخونة: كما تحطمت مؤامرة مدريد الشنعاء والتسويات العقيمة سلفاً، ستتحطم هذه المحاولة على صخرة صمود شعبنا في اللجوء، والأراضي المحتلة، والشتات.
سابعاً: خطة المعركة الوطنية – النفير العام والجاهزية الشاملة
الرد على هذه المؤامرة لا يكون بالنواح ولا الشجب، بل بالعمل الثوري الميداني والشامل:
* الالتحام الوطني العارم: صهر كل الاختلافات الفرعية في بوثقة النضال. جبهة البوليساريو هي الحصن والممثل الشرعي والوحيد، والالتفاف حولها وحول مؤسساتنا الوطنية هو خيار الوجود.
* صوت الانفجار الشعبي: إشعال الأرض تحت أقدام الغزاة في الأرض المحتلة، وفي مخيمات العزة والكرامة، والمهجر، تحت شعار واحد وواضح: "لا للشرعية المزيفة، نعم للاستقلال التام والحرية".
* التصعيد والمقاومة المسلحة: تشغيل كافة أدوات الانتفاضة الشعبية والمقاومة الوطنية، ورفع درجة الجاهزية القتالية والتعبوية لمواجهة كل الاحتمالات.
* تعرية الإمبريالية عالمياً: فضح السلوك الأمريكي في المحافل المحايدة، والاتحاد الأفريقي، والبرلمانات الحرة. يجب أن يعلم العالم أن مجلس الأمن باعتماده هذا المشروع يسقط أخلاقياً ويتحول إلى غطاء للاستعمار.
* الهجوم الدبلوماسي المعاكس: الدفع نحو عقد دورة استثنائية للاتحاد الأفريقي، وتوثيق الخروقات القانونية لتأطير ملفات الملاحقة الدولية، وتصدير معركة إسقاط مسخ "تحول البعثة لخدمة الاحتلال".
* خيار الكفاح الشامل: أقصى درجات الاستنفار. فالأمر الواقع الذي يراد فرضه بالقوة والقمع، لن يُرد عليه إلا بالحق المقدّس والقتال المشروع الذي تكفله الشرائع السماوية والمواثيق الدولية لكافة الشعوب المظلومة.
نحن لا نُساوم على الوجود.. الحرية أو الشهادة
إن محاولة ترامب والإدارة الأمريكية الالتفاف على الحق الساطع للشعب الصحراوي هي وصمة عار أبدية في تاريخ الدبلوماسية الدولية. إن مسودة تخجل من كلمة "الاستفتاء"، وتتوسل للغاصب بـ "الحكم الذاتي"، وتهدد الضحية بالعقاب، ليست وثيقة سلام بل وثيقة إعلان حرب وتصفية.
ولكن، ليعلم جُنّاد الظلام أن الإمبراطوريات العاتية تسقط وتندثر، والطغاة يذهبون إلى مزابل التاريخ، بينما تبقى الشعوب التي تعشق الحرية وتصنع مصيرها بالدماء والحديد. هذه المسودة لن تكون مقبرة قضيتنا، بل ستكون الشرارة التي تشعل الثورة وتوحد الصفوف وتفضح زيف النظام الدولي للعيان.
فيا أبناء شعبنا الأبي في كل مكان: ارفعوا الجباه، وثبّتوا الأقدام، ولتكن وقفتكم اليوم وقفة بركان واحد.. فالحق معنا، والكرامة ملؤها دمنا، والانتصار حليفنا لا محالة!
فالحق معنا والغد لنا
