جَرّة قلم... كثرة التنازلات في البداية تجعلك لا تكسب شيئًا في النهاية!

اخر تحديث:
كتب بواسطة:
RASD NEWS
المستقلة للأنباء

محتويات المقال

  


قلنا إن الوفد المفاوض يحتاج  للمزيد من الخبرة والحنكة الدبلوماسية، وإن امتلاك مهارات الخطابة والظهور السياسي لا يكفي لخوض مفاوضات معقدة. فعندما يكتمل العقل، يقلّ الكلام، وتصبح الحكمة في حسن التدبير لا في كثرة التصريحات.

إن لغة التفاوض ليست لغة الخطابة السياسية، بل هي لغة الدبلوماسية، وحنكة الحوار، والقدرة على إدارة الأزمات وحلّها، فضلًا عن الاستعانة بخبرات المستشارين والمتخصصين في مختلف المجالات.

قلنا ذلك، وسنظل نكرره حتى يفهم من يعنيهم الأمر أن المفاوضات ليست مجالًا للارتجال أو استعراض المواقف، وإنما معركة تحتاج إلى الإعداد الجيد، والخبرة المتراكمة، والقدرة على قراءة الطرف الآخر وفهم حساباته وأهدافه.

كما أن تشكيل الوفد المفاوض يجب أن يخضع لمعايير الكفاءة والخبرة والقدرة على الصمود أمام ضغوط التفاوض، لا لمجرد التمثيل الشكلي. فجلسات المفاوضات قد تشهد طرح قضايا ومواقف شديدة الحساسية، وتُقال فيها أحيانًا أمور لا تُقال في العلن، الأمر الذي يستدعي استعدادًا نفسيًا وسياسيًا ودبلوماسيًا عالي المستوى من جميع أعضاء الوفد.

لقد قلت إن الوفد الأمريكي كان يجسّ نبض الوفد المفاوض، وسبق أن تحدثنا عن ذلك. وقلنا بوضوح: إذا أردت انتزاع حقوقك، فعليك أن تفاوض من موقع قوة، وأن تدرك أن التنازل المجاني في بداية الطريق قد يتحول إلى قيد يصعب التخلص منه في نهايته.

وهنا تحضر قاعدة أساسية من قواعد الثورات وحركات التحرر: إن الثورة التي تدخل المفاوضات من دون أوراق قوة تحمي مطالبها، وتفتقر إلى أدوات الضغط اللازمة، تخاطر بإجهاض أهدافها قبل بلوغها. فالمفاوضات ليست بديلًا عن القوة، بل إحدى وسائل توظيفها لتحقيق الأهداف الوطنية.

لذلك، يجب علينا الاستعانة بأشخاص ذوي خبرة في الوساطة الدولية وإدارة الأزمات، إلى جانب مستشارين محنكين في القانون الدولي والسياسة والدبلوماسية والاقتصاد والاستراتيجيات الأمنية، حتى يكون الوفد المفاوض قادرًا على مواجهة مختلف السيناريوهات، وتقدير العواقب، وصياغة المواقف على أسس علمية وقانونية راسخة.

ولننظر إلى تجارب الدول التي تدير مفاوضاتها باحترافية؛ فإيران، على سبيل المثال، تستعين بفرق من المفاوضين والمستشارين والخبراء المتخصصين، بما يعكس أهمية العمل الجماعي وتكامل الخبرات في مواجهة الخصوم. فالمفاوض الناجح لا يدخل القاعة وحده، حتى وإن كان هو من يجلس إلى الطاولة؛ إذ تقف خلفه منظومة متكاملة من الخبراء والباحثين والمستشارين.
فكيف نريد نتائج على مقاسات الكبار، ونحن لا نُعِدّ للمفاوضات بما يتناسب مع حجم القضية وعدالة المطالب الوطنية؟

إن الثورة ليست مجرد شعارات تُرفع، ولا خطابات تُلقى، بل هي مشروع وطني متكامل، يحتاج إلى رؤية استراتيجية، وقيادة واعية، وأدوات نضال متكاملة، وقدرة على تحويل التضحيات إلى مكاسب سياسية وقانونية ملموسة.
الثورة هي المشعل الذي نستضيء به، وإرادة الشعوب هي التي تصنع المعجزات.
ولنا كلام آخر...

المستشار القانوني مصطفى محمد سيدي
شارك المقال:
كاتب ومدون

كاتب ومدون في هذا الموقع، يهتم بتقديم محتوى حصري ومفيد للقارئ العربي.