نحو إصلاح سياسي عميق.. قراءة نقدية في تجربة التنظيم والدولة الصحراوية

اخر تحديث:
كتب بواسطة:
جديد
المستقلة للأنباء

محتويات المقال

إن الأزمة المركبة التي نعيشها اليوم في الثورة الصحراوية، والتنظيم الصحراوي بشقّيه: الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، والجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، لها أسباب متعددة يجب الوقوف عندها بالتقييم العلمي والموضوعي، لاستخلاص الدروس والعبرة، والبناء عليها، لإيجاد الحلول المناسبة والكفيلة بإخراجنا من هذا الوضع المرفوض من الجميع. والأسباب كثيرة ومتعددة، وسنذكر منها البعض على سبيل المثال وليس الحصر:

أ- أسباب سياسية واجتماعية:

1- ضعف الخطاب السياسي، والناتج عن عدم مثالية القادة والمسيّرين بصفة عامة، الذين تحوّل أغلبهم من مناضلين زاهدين في الدنيا وبريقها، همّهم الوحيد تحرير الوطن، إلى مجموعات من الموظفين الباحثين عن الراتب والرتبة.

2- تسلّل الكثير من الأشخاص إلى مفاصل الحركة والدولة، لا يملكون مؤهلات علمية، وحتى خلفية نضالية، ولا تجربة سياسية، وإنما وصلوا عن طريق القبلية والمحسوبية، ومنهم من جاءت بهم الانتخابات (التأثير القبلي).

3- البنية التنظيمية لأمانة التنظيم السياسي قديمة ومستهلكة، والأساليب في تأطير الجماهير والتوجيه والتعبئة متخلفة جدًا، ولا تتماشى مع عصر الثورة التكنولوجية التي يعيشها العالم اليوم.

4- الحس الأمني في إطارات التنظيم السياسي شبه معدوم، مما فتح المجال للدعاية المعادية، ومكّنها من التأثير المباشر على الرأي الوطني.

5- أسباب ذاتية ناتجة عن تداعيات الحرب التدميرية التي يشنها الاحتلال المغربي وحلفاؤه على شعبنا منذ 1975م، ووضعية اللجوء، وقلة الحيلة وانعدام الإمكانيات.

6- ضعف جهاز الأمن الصحراوي، وعدم تطويره ليواكب التطورات التي شهدها العالم في هذا المجال.

7- الطامة الكبرى: عدم العناية بالجيش، أو شبه التخلي عنه، بعد توقيف إطلاق النار سنة 1991م، مما سبب نتائج كارثية بعد الرجوع إلى الحرب سنة 2020م.

8- ظهور شبه تفاوت اجتماعي في الميدان المادي، مما دفع الكثير من الناس إلى البحث عن المادة، من كان موظفًا في التنظيم، أو تحت تصرفه مالًا عامًا اختلسه، أو حاول، إلا من رحم ربي. وهذه الوضعية دفعت الشباب إلى المغامرة من خلال الهجرة السرية في قوارب الموت، والاتجار بالممنوعات من مخدرات ومهلوسات، والتهريب.

ولم تكن الأسباب السالفة التي ذُكرت هي الوحيدة المسؤولة عن استفحال الأزمة، بل هناك أسباب أخرى أكبر وأعظم تأثيرًا، وهي الهيكلة التنظيمية، أي ما نسميه في أدبياتنا بالتنظيم، وهو بالطبع شكل النظام السياسي وبنيته الهيكلية.

عند نشأة الثورة الصحراوية، كان الأوائل الذين كان لهم الشرف في نشأة التنظيم قد بنوه على قياس تنظيمات سبقتهم، كالثورة الجزائرية والثورة الفلسطينية وغيرها، والهيكل التنظيمي الذي اعتمدوه عبارة عن لجنة تنفيذية ومكتب سياسي.

وبعد إعلان الدولة الصحراوية، اعتمدوا النظام شبه الرئاسي، كالجزائر ومصر والعراق وفرنسا. وبعد تراكم سنوات من تجربة العمل بهذا الهيكل التنظيمي، ظهر الكثير من العيوب الناتجة عن تداخل المهام والصلاحيات بين الحركة والدولة، وخاصة التضارب الحاصل بين القانون الأساسي للجبهة والدستور، سواء كان ذلك في النظم الهيكلية والقانونية، أو في المهام والصلاحيات.

وبعدما ظهر هذا التداخل والتشابك، وبعد نقاشات واسعة، تم التوصل إلى مقاربة أخرى، وهي التخلي عن اللجنة التنفيذية وإنشاء الأمانة الوطنية محلها، ولكن أثبتت التجربة أن هذه المقاربة فاشلة، لأن العلة لا تزال قائمة، والعلة في نظري هي نوع النظام السياسي (الدولة)، لأنه حسب تجربتنا، فإن النظام شبه الرئاسي لا يتناسب ولا يتلاءم مع تجربتنا الوطنية، والتي هي عبارة عن حركة تحرير تقود شعبًا يكافح من أجل بسط السيادة الوطنية على كامل ترابه الوطني، بهيكل حركة سياسية داخل جسم دولة.

ولهذا، وبعد تقييم التجربة الوطنية بكل جوانبها، والوقوف على السلبيات والإيجابيات، وبعد دراسة لأنواع النظم السياسية الحديثة التي توصلت إليها البشرية، أرى أن النظام البرلماني أفضل لنا من النظام شبه الرئاسي، ويمكن من خلاله دمج الدولة والحركة في نظام واحد منسجم، فيه الحركة هي الطليعة والقائد والموجّه للسياسات العامة، والدولة المنفّذ لهذه السياسات في شكل برامج من خلال هياكلها التنفيذية.

وللعلم، فإن النظام البرلماني في الدول التي تتبنى هذا النوع في طريقة الحكم، البرلمان هو المسؤول عن السياسة العامة والتشريع، وينتخب رئيس الحكومة من بين أعضائه، ويمكن لأعضاء البرلمان شغل مهام تنفيذية في الحكومة.

وفي هذه الحالة، يُنتخب رئيس للدولة من خارج البرلمان وبصلاحيات محددة، مثلًا وليس حصرًا: يصادق على تعيين رئيس الحكومة بعد انتخابه من البرلمان، ويقبل استقالته، وهو الضامن لوحدة النظام السياسي وتماسكه بصفته رئيسًا للدولة... إلخ. وهذا كله يجب تضمينه في دستور وقوانين داخلية تضبط وتنظم عمل الهيئات والعلاقة العضوية بينها.

السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيفية البنيان الهيكلي؟

الأمر بسيط وسيكون مرنًا، وهو تحويل هيكل الأمانة الوطنية إلى برلمان منتخب من المؤتمر. وبعد انتخاب هذا البرلمان من المؤتمر، يقوم البرلمان بدوره بانتخاب رئيس الحكومة من بين أعضائه، ويصبح البرلمان، من خلال جهازه التنفيذي، أي الحكومة، هو المسؤول عن كل السياسات العامة، مع إصدار التشريعات والقوانين.

وفي المؤتمر نفسه، يُنتخب رئيس للدولة بصفة منفصلة، وتُحدّد له صلاحيات من خلال القانون الأساسي كأمين عام للجبهة، وصلاحيات دستورية بصفته رئيس الدولة.

الخلاصة:

في إطار البحث عن طريقة لتغيير سياسي ناجع للخروج من هذا الوضع المرفوض من الجميع، طرحت فكرة تغيير النظام السياسي من نظام شبه رئاسي، أو نظام مختلط كما يُعرف في بعض التعريفات العلمية، إلى نظام برلماني.

وهذه الفكرة هدفها تحقيق هدفين اثنين:

أولًا: أرى أن النظام البرلماني نظام مرن، يعبر عن حكم جماعي، والفصل فيه يرجع إلى البرلمان، ويمكن دمج هيكلي: (الحركة والدولة) فيه، بدون تضارب المهام والصلاحيات، لأن البرلمان سيكون بمثابة أعلى هيئة سياسية للجبهة، كما كانت الأمانة الوطنية، وفي الوقت نفسه هو برلمان الدولة الذي ستصبح لديه صلاحيات انتخاب رئيس الحكومة، وإقرار ومتابعة كل السياسات العامة.

ثانيًا: على المستوى الخارجي، سيكون لدينا نظام سياسي يماثل أغلبية الأنظمة السياسية الديمقراطية في الغرب، ويمكن أن يكون أكثر قابلية لديهم، إذا أحسنا الترويج له من خلال دعاية منسجمة مع أفكار الشعوب الغربية، مثل: حقوق الإنسان والمرأة... إلخ.
بقلم : ابراهيم عبد الله - برلماني سابق
شارك المقال:
كاتب ومدون

كاتب ومدون في هذا الموقع، يهتم بتقديم محتوى حصري ومفيد للقارئ العربي.