لم تكن سنوات الاختفاء القسري التي أعقبت الاجتياح العسكري المغربي للصحراء الغربية مجرد مرحلة عابرة في تاريخ الشعب الصحراوي، بل شكلت واحدة من أكثر الفترات مأساوية، بعدما اختفى مئات المدنيين في ظروف غامضة، واقتيدوا إلى مراكز اعتقال سرية، دون محاكمة أو إخبار عائلاتهم بمصيرهم، في انتهاك صارخ لأبسط قواعد القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان.
وراء كل اسم من أسماء المختفين حكاية أسرة عاشت سنوات طويلة بين الأمل واليأس، تنتظر خبراً عن ابن أو أب أو أم أو أخ اقتيد ذات ليلة ولم يعد، فيما تحولت المعتقلات السرية المغربية إلى عالم مغلق، لا يعرف عنه الخارج شيئاً سوى ما حمله الناجون بعد الإفراج عنهم.
ومن بين هؤلاء الناجين، يبرز اسما المناضلين الصحراويين الراحلين فاطمتو محمد عالي دهوار وبشرايا أبا حازم، اللذين تحولت شهاداتهما إلى جزء من الذاكرة الوطنية الصحراوية، بعدما وثقا سنوات من التعذيب والاختفاء القسري داخل معتقلات أكدز وقلعة مكونة ودرب مولاي الشريف.
مناضلان جمعتهما المعاناة
ولدت فاطمتو محمد عالي دهوار سنة 1957، وانخرطت منذ شبابها في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، لتصبح واحدة من أوائل المناضلات الصحراويات في مدينة طانطان.
وفي سنة 1976، اقتحمت قوات الأمن المغربية منزلها بمدينة طانطان، واختطفتها بعد أن انتزعت منها طفلها الذي لم يتجاوز عامه الأول، لتنقل مع عشرات النساء والرجال إلى المعتقلات السرية، حيث بقيت أكثر من خمسة عشر عاماً رهن الاختفاء القسري، قبل الإفراج عنها سنة 1991.
أما بشرايا أبا حازم، المولود بمدينة طانطان سنة 1964، فقد عرف بين أبناء شعبه بحسن الخلق والاستقامة، وبنشاطه الوطني والحقوقي، قبل أن يتعرض للاختطاف يوم 25 فبراير 1981، ليقضي أكثر من عشر سنوات داخل المعتقلات السرية.
ورغم ما تعرض له من تعذيب، ظل بعد الإفراج عنه وفياً لقضيته، وشارك في مختلف الأنشطة الوطنية والحقوقية، كما زار مخيمات العزة والكرامة ضمن وفود مناضلي المناطق المحتلة، وكانت آخر مشاركاته حضوره المؤتمر الخامس عشر للجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب بالتفاريتي المحررة نهاية سنة 2019.
بداية الرحلة إلى المجهول
تتقاطع شهادات الناجين عند لحظة واحدة؛ لحظة الاختطاف.
ليل، سيارات أمن، أعين معصوبة، وأيدٍ مكبلة، ثم رحلة طويلة نحو مكان لا يعرفه أحد.
لم يكن المختطفون يعلمون إلى أين يُقتادون، ولم تكن عائلاتهم تعلم أين اختفوا، لتبدأ سنوات من الانتظار والبحث دون أن تحصل على أي معلومة عن مصيرهم.
كانت سياسة الاختفاء القسري التي انتهجها الاحتلال المغربي تهدف، بحسب شهادات الناجين، إلى عزل الضحية عن العالم بالكامل، وتحويلها إلى شخص خارج الزمن، بينما تعيش الأسرة بدورها عقوبة جماعية لا تقل قسوة عن السجن نفسه.
ذاكرة لا تموت
بعد الإفراج عنهما، كرّس كل من فاطمتو دهوار وبشرايا أبا حازم جزءاً كبيراً من حياتهما لتوثيق تلك المرحلة، ونقل شهاداتهما في الندوات والملتقيات الحقوقية، مؤكدين أن ما عاشاه لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد ذكرى، بل إلى ذاكرة تحفظ للأجيال القادمة.
وتؤكد فاطمتو دهوار، في مختلف شهاداتها، أن الانتهاكات التي تعرض لها الصحراويون لم تتوقف عند سنوات الاختفاء القسري، معتبرة أن ما شهدته الأراضي المحتلة لاحقاً، بما في ذلك أحداث مخيم أكديم إيزيك، يمثل امتداداً لمسار طويل من المعاناة.
أما بشرايا أبا حازم، فقد اختار أن يروي تفاصيل ما عاشه داخل المعتقلات السرية، لا بحثاً عن التعاطف، وإنما حتى تبقى الحقيقة حاضرة في الذاكرة.
وفي الحلقة الثانية، ندخل مع بشرايا أبا حازم إلى معتقل أكدز، حيث يبدأ، كما يصفه، "الفصل الأكثر ظلمة" في رحلة امتدت سنوات، ويكشف تفاصيل الحياة داخل أحد أكثر المعتقلات السرية رهبة في تاريخ الاختفاء القسري.
