القائمة الرئيسية

الصفحات

وشهد شاهدٌ من أهلها... حين تكشف أرقام الاحتلال حقيقة ما يحاول إخفاءه


*قراءة تحليلية في نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط المغربية*
بقلم: المحفوظ عبد العزيز
ليست كل الحقائق بحاجة إلى شهادات الخصوم، ففي أحيان كثيرة تكفي وثائق الطرف نفسه لتفكيك روايته وكشف تناقضاتها. وهذا بالضبط ما تتيحه الوثيقة الرسمية التي أصدرتها المندوبية السامية للتخطيط المغربية سنة 2024 تحت عنوان *"الإحصاء العام للسكان والسكنى"*، والتي، رغم أنها أُعدت لخدمة السياسات العمومية المغربية، تحمل بين طياتها أرقاما تطرح أسئلة محرجة على الرواية الرسمية بشأن الصحراء الغربية.
وقبل الخوض في هذه القراءة، تجدر الإشارة إلى أن الاعتماد على هذه الوثيقة، أو على التقسيم الإداري المغربي الوارد فيها، لا يعني بأي حال الاعتراف بشرعية الاحتلال أو بمشروعية تقسيماته الإدارية، وإنما يندرج في إطار منهجية تحليلية تقوم على مساءلة الخطاب المغربي بأدواته هو، ووضع دعايته أمام تناقضاتها الداخلية.

وتقوم هذه القراءة على ثلاث فرضيات منهجية بسيطة. أولها، استنطاق الأرقام كما وردت في الوثيقة، بصرف النظر عن مدى دقتها أو مصداقيتها. وثانيها، استقراء النتائج من خلال عمليات حسابية مباشرة، في ظل غياب إحصاءات جزئية مستقلة ومحايدة. أما ثالثها، فهو التسليم –جدلاً فقط– بأن ما تسميه الوثيقة بـ"المجتمع الحساني" يشمل الشعب الصحراوي المقيم في الصحراء الغربية المحتلة وفي جنوب المغرب.
أولاً: "المكون الحساني"... أقل من واحد في المائة

تورد الوثيقة أن عدد سكان المملكة المغربية بلغ، في فاتح سبتمبر 2024، 36.828.330 نسمة، وأن 0.8% فقط من السكان يستعملون اللغة الحسانية.

وبعملية حسابية بسيطة، يعني ذلك أن عدد الناطقين بالحسانية في مجموع المغرب، بما في ذلك الصحراء الغربية المحتلة، لا يتجاوز 294.626 شخصاً.

قد يبدو الرقم عادياً للوهلة الأولى، لكنه يحمل دلالة سياسية عميقة. فالمغرب الذي يكثر من الحديث عن "المكون الحساني" باعتباره أحد أعمدة الهوية الوطنية، يعترف، من خلال مؤسسته الرسمية للإحصاء، بأن هذا المكون لا يمثل سوى أقل من واحد بالمائة من مجموع السكان. أي أنه، وفق روايته هو، مكون هامشي داخل البنية الديمغرافية للمملكة.

ثانياً: أين أصبح "المجتمع الحساني" في موطنه الأصلي؟

تقدم الوثيقة كذلك أعداد سكان الجهات الثلاث التي تشكل المجال الجغرافي التقليدي للحسانية، وهي:

* جهة كلميم وادي نون: 448.685 نسم.
* جهة العيون الساقية الحمراء: 448.685 نسمة.
* جهة الداخلة وادي الذهب: 219.965 نسمة.

ويبلغ مجموع سكان هذه الجهات 1.117.335 نسمة.

إذا افترضنا –جدلاً– أن جميع الناطقين بالحسانية البالغ عددهم 294.626 شخصاً يقيمون داخل هذه الجهات الثلاث، فإن نسبتهم لن تتجاوز 26.49% من مجموع السكان.

أي أن أكثر من 73% من سكان هذه الجهات ليسوا من "المجتمع الحساني"، حتى وفق التصنيف الرسمي المغربي نفسه.

بل إن هذه النسبة تبقى مرتفعة نسبياً لأنها تفترض، بصورة غير واقعية، أن جميع الناطقين بالحسانية يقيمون داخل هذه الجهات، في حين أن جزءاً منهم يعيش في مدن مغربية أخرى لأسباب تتعلق بالدراسة أو العمل أو غيرهما. ولو أمكن استبعاد هؤلاء، لانخفضت النسبة أكثر.

وهنا تظهر النتيجة الأكثر إثارة: فالمغرب يعترف، بأرقامه الرسمية، بأن "المجتمع الحساني" أصبح أقلية في فضائه الجغرافي التاريخي.

وهذا ليس مجرد معطى إحصائي، بل مؤشر ديمغرافي بالغ الدلالة على حجم التغيير الذي طال البنية السكانية للصحراء الغربية.

ثالثاً: كم بقي من الصحراويين في الصحراء الغربية المحتلة؟

إذا اقتصرنا على الجهتين اللتين تضمان معظم إقليم الصحراء الغربية المحتل، أي جهة العيون الساقية الحمراء وجهة الداخلة وادي الذهب، فإن مجموع سكانهما يبلغ 668.650 نسمة.

وفي ظل غياب إحصاءات تفصيلية مستقلة، يمكن افتراض أن نسبة "المجتمع الحساني" في هاتين الجهتين مماثلة لنسبته في الجهات الثلاث مجتمعة، أي 26.49%.

وعلى هذا الأساس، فإن العدد التقريبي لأفراد "المجتمع الحساني" المقيمين داخل الصحراء الغربية المحتلة لا يتجاوز 177.125 شخصاً.

ومرة أخرى، فإن هذا الرقم يمثل الحد الأقصى، لأنه يفترض عدم وجود أي ناطق بالحسانية خارج هذه الجهات، وهو افتراض يصعب قبوله عملياً.

أرقام تهدم رواية رسمية

لطالما رددت الدعاية المغربية أن مئات الآلاف من الصحراويين يعيشون في ما تسميه "الأقاليم الجنوبية"، وأنهم يشكلون الأغلبية الساحقة ويتمتعون بمستويات مرتفعة من التنمية والرفاه.

غير أن الأرقام الرسمية المغربية نفسها تطرح سؤالاً بسيطاً: إذا كان مجموع الناطقين بالحسانية في المملكة كلها لا يتجاوز 294 ألف شخص، وإذا كان العدد التقريبي منهم داخل الصحراء الغربية المحتلة لا يتجاوز 177 ألفاً، فمن أين تأتي الرواية التي تتحدث باستمرار عن وجود 500 ألف صحراوي في الأراضي المحتلة؟

إنها ليست مفارقة سياسية فحسب، بل تناقض رقمي صارخ بين الخطاب الرسمي والمعطيات التي تصدرها مؤسسات الدولة نفسها.

اعتراف غير مباشر بالتغيير الديمغرافي

الأخطر من ذلك أن هذه الأرقام تشكل، من زاوية القانون الدولي، ما يشبه الاعتراف الضمني باستمرار تغيير التركيبة الديمغرافية لإقليم لم يكتمل مسار تصفية الاستعمار فيه.

فحين يصبح السكان الأصليون أقلية داخل إقليم خاضع للاحتلال، فإن ذلك يثير مباشرة مسألة نقل سكان الدولة المحتلة إلى الأراضي المحتلة، وهي ممارسة تحظرها المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، التي تمنع قوة الاحتلال من ترحيل أو نقل جزء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها.

ومن ثم، فإن ما تكشفه هذه الوثيقة لا يقتصر على توصيف واقع سكاني، بل يثير إشكالاً قانونياً بالغ الخطورة يتعلق بمدى احترام المغرب لالتزاماته بموجب القانون الدولي الإنساني.

تنمية... لمن؟

ويبقى السؤال الأكثر إحراجاً: إذا سلمنا –جدلاً– بصحة الرواية المغربية حول المشاريع التنموية الضخمة في الصحراء الغربية، فمن هو المستفيد الحقيقي منها؟

فوفق الأرقام المستخلصة من الوثيقة نفسها، فإن ما يقارب 73.5% من سكان الإقليم هم من غير أفراد "المجتمع الحساني". وإذا كانت هذه النسبة تعكس فعلاً حجم التحول الديمغرافي، فإن الجزء الأكبر من الاستثمارات والخدمات والبنية التحتية يذهب، عملياً، إلى السكان الوافدين، وليس إلى الشعب الصحراوي.

وينسحب السؤال ذاته على عائدات استغلال الفوسفات والثروة السمكية وسائر الموارد الطبيعية التي يروج المغرب لاستثمارها في الإقليم. فإذا كانت التنمية تُقاس بمن يستفيد منها، فإن الأرقام الرسمية المغربية نفسها تدعو إلى إعادة النظر في الرواية السائدة حول هوية المستفيد الحقيقي من هذه الموارد.

حين تصبح الأرقام شاهداً

قد تختلف المواقف السياسية، وقد تتضارب الروايات، لكن للأرقام خصوصيتها؛ فهي، متى صدرت عن الجهة نفسها، تصبح شاهداً يصعب الطعن فيه.

ولعل المفارقة الأبرز في هذه الوثيقة أنها، من حيث أرادت تعزيز السردية الرسمية، فتحت الباب أمام قراءة مغايرة تماماً. قراءة تكشف أن الدعاية قد تسقط أحياناً بأبسط أدواتها: الأرقام.
ولذلك، فإن هذه الوثيقة لا تمثل مجرد إحصاء سكاني، بل تتحول، بعد تفكيك معطياتها، إلى وثيقة تستحق التوقف عندها، لأنها تقدم، من داخل المؤسسات المغربية نفسها، معطيات تطرح أسئلة عميقة حول حقيقة الواقع الديمغرافي في الصحراء الغربية، وحول مدى انسجام الخطاب السياسي مع الأرقام الرسمية التي يفترض أنها تعكس ذلك الواقع.

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...