هذه السلسلة تستند إلى شهادات معتقلين صحراويين سابقين ووثائق وروايات منشورة، وتهدف إلى توثيق جانب من تجربة الاختفاء القسري والمعتقلات السرية في الصحراء الغربية كما يرويها أصحابها، في إطار حفظ الذاكرة الوطنية والإنسانية للشعب الصحراوي في مواجهة حرب التعتيم التي ينتهجها الاحتلال المغربي في الصحراء الغربية منذ اجتياحه العسكري الغادر 31 أكتوبر 1975.
شهادات من الجحيم (2) : أكدز... بوابة الجحيم كما يرويها المناضل بشرايا أبا حازم
لم يكن الوصول إلى معتقل أكدز، بالنسبة للمختطفين الصحراويين، نهاية رحلة الاعتقال، بل بداية مرحلة أكثر قسوة، حيث تحولت الزنازين، وفق شهادات بشرايا أبا حازم، إلى فضاء مغلق يجتمع فيه التعذيب الجسدي والإذلال النفسي والعزلة المطلقة، في محاولة لتحطيم الإنسان وسلبه كرامته وإرادته.
وفي شهادته ضمن سلسلة "ناجون من الموت"، يستعيد المناضل الصحراوي والمختطف السابق ومعتقل الرأي بمعتقلي أكدز وقلعة مكونة، بشرايا أبا حازم، تفاصيل الأيام الأولى داخل معتقل أكدز، واصفًا إياها بأنها بداية "فصل جديد من الجحيم".
"كنا نساق إلى الموت"
يروي بشرايا أبا حازم أن رحلته إلى معتقل أكدز بدأت وهو معصوب العينين، مكبل اليدين، رفقة مجموعة من المختطفين الصحراويين الذين جرى نقلهم من مخافر التحقيق، بعد أسابيع من التعذيب والضغط النفسي.
ويقول: «"لدى وصولنا إلى أكدز بدأ فصل من التعذيب والإهانة وألوان العذاب، كان ذلك في عز فصل الصيف، وبالتحديد في شهر أيلول، فأدخلونا إلى زنازين مؤصدة بأبواب حديدية، لا تهوية فيها ولا نوافذ تسمح بدخول الهواء، كنا نتنفس بصعوبة في تلك الحجرات التي يضيق فيها النفس من شدة الحر وقسوة التعذيب."»
ومنذ اللحظات الأولى، كما يروي، أدرك المعتقلون أنهم دخلوا مكانًا لا يشبه السجون العادية، بل معتقلًا سريًا معزولًا عن العالم، لا يعرف أحد ما يجري داخله، ولا يعلم من بداخله إن كان سيخرج يومًا.
حرارة تحرق الأجساد قبل السياط
لم يكن التعذيب، بحسب شهادة بشرايا، مقتصرًا على الضرب وسوء المعاملة، بل كانت ظروف الاحتجاز نفسها وسيلة يومية للعذاب.
ففي الزنازين الحديدية المغلقة، كانت درجات الحرارة ترتفع إلى مستويات خانقة، حتى تصبح عملية التنفس بحد ذاتها معاناة مستمرة.
ويتذكر تلك الأيام قائلاً: «"كانت ملابسنا تلتصق بأجسادنا من شدة الحر، وعندما أحاول مسح العرق بخرقة قماش، كانت تلتصق بجلدي وفي إحدى المرات وضعت قطعة قماش على جبيني، فلما نزعتها انسحب معها الجلد، واختلط العرق بالدم."»
وتعكس هذه الشهادة، كما يصفها، حجم الإنهاك الجسدي الذي وصل إليه المعتقلون نتيجة التعذيب المتواصل وسوء التغذية وغياب أبسط شروط الحياة.
زنازين لا تصلح إلا للموت
ويؤكد بشرايا أبا حازم أن نظام الاحتلال المغربي لم يكن يراعي الحد الأدنى من الطاقة الاستيعابية للزنازين، بل كان يتعمد تكديس المعتقلين داخل حجرات ضيقة لا تتسع لعددهم.
ويصف المشهد قائلاً إن السجناء كانوا يتراصون في فضاءات ضيقة، تملؤها الحشرات، وتفوح منها روائح كريهة، بينما كانت الأبواب الحديدية تبقى موصدة لساعات طويلة، في ظل غياب التهوية والضوء.
ويضيف أن الحراس كانوا ينفذون تعليمات تقوم على الإذلال المستمر، حتى يشعر المعتقل، كما يقول، بأنه فقد كل مقومات الكرامة الإنسانية.
ويختصر تلك الصورة بعبارة مؤلمة:
«"كانت حالتنا كحال القطيع الذي يساق إلى الموت."»
الأفاعي... رعب لا ينتهي
ومن أكثر الذكريات التي بقيت عالقة في ذهنه، حادثة سقوط أفعى من سقف الزنزانة على أحد المعتقلين.
ويقول إن السجين لم يشعر بها إلا بعدما لامست جسده، فانتفض مرعوبًا وهو يصرخ: «"أفعى... أفعى..."»
ويستعيد بشرايا تلك اللحظة باعتبارها واحدة من أكثر المواقف رعبًا خلال سنوات الاعتقال، إذ لم يكن الخطر يأتي من السجانين وحدهم، بل أيضًا من الحشرات والعقارب والثعابين التي كانت تجد في سقوف الزنازين الرطبة مأوى لها.
ويشير إلى أن الحشرات كانت تتساقط باستمرار على المعتقلين، فيما كانت الأفاعي والثعابين تظهر بين الفينة والأخرى، لتضيف خوفًا جديدًا إلى حياة السجناء.
ويذكر أن أحد المعتقلين المغاربة المنتمين إلى الحركات اليسارية تعرض للدغة ثعبان داخل المعتقل، وظل يصارع الموت دون رعاية طبية إلى أن فارق الحياة، في مشهد ظل راسخًا في ذاكرة المعتقلين.
أكدز... محطة إلزامية في رحلة الاختفاء
ويكشف بشرايا أبا حازم أن مجموعة المختطفين الصحراويين التي وصل ضمنها إلى أكدز كانت تضم أربعة عشر معتقلًا صحراويًا، بينما جرى في الوقت نفسه نقل المعتقلين الصحراويين الذين سبقوهم إلى معتقل قلعة مكونة.
ويفسر ذلك بقوله إن سلطات المعتقل كانت تعتبر أكدز مركزًا سريًا يمر عبره جميع المختطفين، قبل توزيعهم على معتقلات أخرى.
ويضيف: «"وصلنا نحن أربعة عشر معتقلًا، وأُلحقنا بحوالي سبعين معتقلًا قادمين من مركز اعتقال بالدار البيضاء، كانوا قد اختُطفوا بين نهاية سنة 1979 وبداية سنة 1980 من العيون والداخلة والطرفاية وبوجدور، وأُدخلنا جميعًا إلى أكدز في الفترة نفسها."»
تجويع وإهانات يومية
لم تتوقف المعاناة عند ظروف الاحتجاز، بل امتدت إلى الطعام الذي كان، بحسب شهادة بشرايا، شبه منعدم.
ويقول إن المعتقلين أمضوا نحو تسعة أشهر في أوضاع مأساوية، يعانون الجوع وسوء التغذية، بينما كان السجانون يتعمدون إذلالهم نفسيًا.
ويستذكر إحدى العبارات التي كان يرددها أحد مسؤولي المعتقل: «"ابدؤوا بإطعام الكلاب الأولين قبل إطعام الكلاب الآخرين."»
ويؤكد أن المقصود بهذه العبارة كان المعتقلين الصحراويين، في محاولة لتحطيم كرامتهم والنيل من معنوياتهم.
كما كانوا يسمعون باستمرار تهديدات من قبيل: «"لن تخرجوا من هنا... وهذا هو مصيركم الأخير."»
التضامن... السلاح الذي هزم السجان
ورغم سنوات الجوع والتعذيب والإهانة، يؤكد بشرايا أبا حازم أن السجانين أخفقوا في كسر إرادة المعتقلين.
ويقول إن التضامن الذي جمع المعتقلين، وتقاسمهم القليل الذي كانوا يملكونه، إضافة إلى تمسكهم بقيمهم الدينية والوطنية، منحهم قوة نفسية ساعدتهم على الصمود.
ورغم تفشي الأمراض، وسقوط عدد من المعتقلين بسبب سوء التغذية، وإصابة آخرين بالشلل، فإن روح التكافل بينهم ظلت حاضرة، فكانوا يساندون المرضى، ويرفعون معنويات بعضهم بعضًا، ويتقاسمون الألم كما يتقاسمون الأمل.
ويؤكد بشرايا أن تلك الروح الجماعية كانت، في نظره، السبب الحقيقي الذي مكّن الكثيرين من النجاة، وحوّل المعتقل، رغم كل ما شهده من قسوة، إلى فضاء رسخ معاني الصبر والثبات والإيمان بعدالة القضية التي اعتُقلوا من أجلها.
وفي الحلقة الثالثة من سلسلة "شهادات من الجحيم"، نتوقف عند سياسة التجويع والتعذيب النفسي داخل معتقل أكدز، وكيف تحولت لقمة العيش إلى وسيلة لإذلال المعتقلين ومحاولة كسر إرادتهم، وفق شهادات الناجين.
