القائمة الرئيسية

الصفحات

بادي محمد سالم... شاعرٌ جعل الأطلال تنطق، والزمان يعترف بسطوته

 


عندما ينطق الكبار، لا يكون الشعر زينةً للقول، بل يصبح شهادةً على عصر، وحفظًا لذاكرة شعب، وتأريخًا لوجدان أمة. وهذا ما نجده متجسدًا في هذه الطلعة البديعة للشاعرالكبير بادي محمد سالم، الذي لم يكن يصف الصحراء بقدر ما كان يكشف أسرارها، ويترجم نبضها، ويخلّد ما اختزنه رملها من حكايات.

ما رت ان الدهر القدار
ما يدوم على حال امال
 ذيك دار الطرطاگ ودار
اجوير ودار اغزومال
 خاليات ال ماه نار
ولا تل فالعلب انوال 
ولا تلت تشوف مطاليگ
 يالعگل فالعريگ فريگ 
ولا تليت تشوف فالعريگ 
زين ناس ولا كثرة مال
ولا تل للمصيف يليگ 
وعاد فيه المشت محال 
ما رت ان الدهر القدار

يستهل بادي طلعته بحكمة خالدة تختصر فلسفة الحياة كلها: الدهر لا يدوم على حال. لكنها ليست حكمة مجردة، بل مفتاح يفتح به أبواب الذاكرة، فيأخذ القارئ في رحلة بين منازل كانت تضج بالحياة، ثم أطبق عليها الصمت، حتى غدت أسماءً يرددها الحنين أكثر مما تراها العيون.

وحين يقول: "خاليات ال ماه نار"، فإنه لا يرثي انطفاء المواقد، وإنما يرثي انطفاء الحياة نفسها؛ فالنار في المخيال الحساني رمز للكرم، ودفء المجالس، وألفة السامر، واستقبال الضيف. فإذا غابت النار، غاب الإنسان، وإذا غاب الإنسان، أصبحت الديار أجسادًا بلا أرواح.

ثم يبلغ التصوير ذروته حين يقرر أن الذي غاب ليس المال ولا العمران، وإنما زين الناس. وكأن الشاعر يريد أن يقرر أن قيمة المكان لا تصنعها الخيام ولا الماشية، وإنما تصنعها القلوب التي سكنته، والوجوه التي عمرته، والأصوات التي كانت تملأ فضاءه حياةً وألفة.

ولا يرثي بادي رحمه الله الأشخاص بأسمائهم، بل يترك الديار هي التي تتحدث عنهم، ويجعل الرمال تنوب عن الألسنة، والأطلال تنطق بما عجزت الكلمات عن قوله. فإذا بالمكان نفسه يصبح شاهدًا على قسوة الزمن، وحافظًا لأثر الذين مروا من هنا ثم مضوا، ولم يبق منهم إلا عبير الذكرى.

وتكمن عبقرية بادي رحمه الله، في قدرته على أن يحول أسماء المواضع إلى معالم وجدانية، وأن يجعل من الصحراء كتابًا مفتوحًا يقرأ فيه الإنسان سيرة الحياة وتقلباتها. فكل موضع يذكره ليس مجرد موقع جغرافي، بل صفحة من تاريخ اجتماعي، وحكاية أسرة، وموطن لقاء، ومسرح أفراح وأتراح، ولذلك تأتي القصيدة محملة بشجن هادئ، لا صخب فيه ولا تكلف، وإنما صدق يلامس القلب مباشرة.

إنها طلعة تختصر فلسفة الإنسان أمام الزمن؛ فلا شيء يبقى إلا الذكر الحسن، ولا شيء يعمر الأمكنة مثل أهلها. ولذلك بقي شعر بادي محمد سالم حيًا، لأنه لم يكتب عن الصحراء وحدها، بل كتب عن الإنسان، وعن الفقد، وعن الذاكرة، وهي معانٍ لا يحدها زمان ولا مكان.

رحم الله بادي محمد سالم، فقد كان أحد أولئك الشعراء الذين لا يكتفون بوصف العالم، بل يهبونه حياةً أخرى بالكلمة، حتى يغدو الشعر ذاكرةً تمشي على ألسنة الناس، كلما مروا بأطلالٍ أو استبد بهم الحنين، تذكروا قوله: "مارت ان الدهر القدار... ما يدوم على حال امال!."
سلامة مولود اباعلي

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...