أعاد تصويت البرلمان الأوروبي، مؤخرا، على بروتوكول مواءمة اتفاقية الطيران الأورو-متوسطية مع انضمام كرواتيا إلى الاتحاد الأوروبي، فتح النقاش حول الأبعاد القانونية والسياسية للاتفاق، بعد أن حصر تطبيقه داخل الحدود المعترف بها دوليا للمغرب، مستبعدا إقليم الصحراء الغربية ومجاله الجوي.
وأثار هذا التحديد النقاش بشأن الرسائل التي أراد الاتحاد الأوروبي توجيهها من خلال هذه الصياغة، ومدى ارتباطها بالوضع القانوني للإقليم ومواقف مؤسساته من النزاع.
في هذا السياق، أكدت المجموعة الصحراوية المعنية بالموارد الطبيعية والقضايا القانونية ذات الصلة أن تصويت البرلمان الأوروبي على هذا البروتوكول يشكل انتصارا قانونيا وسياسيا جديدا للقضية الصحراوية، ويجدد تأكيد المجتمع الأوروبي على الوضع القانوني المتميز للإقليم، في مقابل استمرار الاحتلال المغربي في فرض أمر واقع يفتقر إلى أي سند قانوني دولي.
ويتفق خبيران حاورتهما “الأيام نيوز” على أن اعتماد هذا التحديد يعكس تمسك الاتحاد الأوروبي بالتمييز القانوني بين المغرب والصحراء الغربية، وانسجامه مع أحكام محكمة العدل الأوروبية والمرجعيات الدولية ذات الصلة.
اتفاق الطيران الأوروبي يحمل رسالة قانونية تتجاوز البعد التقني
فمن جانبه، أكد أيوب عرفي، محلل سياسي، أن مصادقة البرلمان الأوروبي في الثامن من جويلية الجاري على البروتوكول المتعلق بمواءمة اتفاقية الطيران الأورو-متوسطية مع انضمام كرواتيا إلى الاتحاد الأوروبي، لم تكن مجرد إجراء إداري أو تقني، وإنما حملت أبعادا قانونية وسياسية تتجاوز مسألة تحديث اتفاقية دولية.
وأوضح عرفي أن البروتوكول، رغم طابعه التقني، حرص على التأكيد صراحة أن تطبيق الاتفاقية يقتصر على الحدود المعترف بها دوليا للمملكة المغربية، وهو ما يعني استبعاد إقليم الصحراء الغربية ومجاله الجوي من نطاق التطبيق، معتبرا أن هذه الصياغة تعكس تمسك مؤسسات الاتحاد الأوروبي بالتمييز القانوني بين المغرب والصحراء الغربية، باعتبار الأخيرة إقليما غير متمتع بالحكم الذاتي يخضع لمسار تصفية استعمار تشرف عليه الأمم المتحدة.
وأشار المتحدث إلى أن أهمية هذا القرار تكمن في انسجامه مع الاجتهادات القضائية لمحكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي، التي كرست مبدأ اعتبار الصحراء الغربية إقليما منفصلا ومتميزا عن المغرب، وأكدت أن أي اتفاق يبرمه الاتحاد الأوروبي مع الرباط لا يمكن أن يشمل الإقليم إلا في إطار احترام قواعد القانون الدولي وموافقة الشعب الصحراوي.
وأضاف أن حصر تطبيق اتفاق الطيران داخل الحدود المعترف بها دوليا للمغرب يحمل دلالة قانونية دقيقة، لأن المجال الجوي يعد امتدادا للإقليم، وبالتالي فإن استبعاده من الاتفاق يعكس حرص الاتحاد الأوروبي على تجنب أي إجراء قد يفهم منه اعتراف ضمني بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، بما ينسجم مع موقفه الداعم للمسار الأممي دون الانحياز لأي طرف.
وأبرز محدثنا أن هذه الصياغة تعكس أيضا حرص الاتحاد الأوروبي على تفادي أي طعون قضائية مستقبلية، خاصة بعد الأحكام الصادرة عن محكمة العدل الأوروبية بشأن اتفاقيات الفلاحة والصيد البحري والتجارة، والتي شددت على ضرورة احترام الوضع القانوني المنفصل للإقليم، الأمر الذي دفع المؤسسات الأوروبية إلى اعتماد صياغات أكثر دقة في اتفاقياتها الخارجية.
وأكد عرفي أن القرار يحمل في الوقت نفسه رسالة سياسية واضحة، مفادها أن الاتحاد الأوروبي متمسك بعدم تجاوز المرجعيات القانونية الدولية المتعلقة بقضية الصحراء الغربية، ويواصل الموازنة بين شراكته مع المغرب والتزامه بالقانون الدولي، وهو ما أصبح سمة بارزة في تعاطيه مع هذا الملف.
وأفاد المحلل السياسي بأن القرار يعكس استمرار التباين بين مواقف بعض الحكومات الأوروبية الداعمة لمقترح الحكم الذاتي، وبين الموقف القانوني الرسمي لمؤسسات الاتحاد الأوروبي، التي تظل ملزمة باحترام أحكام محكمة العدل الأوروبية وقواعد القانون الدولي، بما يفرض الفصل بين أراضي المملكة المغربية وإقليم الصحراء الغربية عند صياغة الاتفاقيات.
وأشار إلى أن القرار ينسجم كذلك مع الموقف الجزائري، الذي يؤكد باستمرار أن النزاع في الصحراء الغربية يندرج ضمن قضايا تصفية الاستعمار المطروحة أمام الأمم المتحدة، وأن أي محاولة لإدراج الإقليم ضمن الاتفاقيات الدولية المبرمة مع المغرب تتعارض مع أحكام القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
وأضاف أن للقرار بعدا دبلوماسيا أيضا، إذ يأتي في ظرف إقليمي يتسم بتحولات متسارعة ترتبط بأمن الطاقة والهجرة والأمن الإقليمي، ما يدفع الاتحاد الأوروبي إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، مع تجنب اتخاذ خطوات قد تعرقل جهود الأمم المتحدة الرامية إلى إيجاد تسوية سياسية للنزاع.
كما لفت إلى أن القرار يوجه رسالة واضحة إلى شركات الطيران الأوروبية وسلطات الطيران المدني، مفادها أن تنفيذ الاتفاقيات الجوية يجب أن يظل محصورا في الحدود القانونية المعترف بها دوليا، بما يجنب المتعاملين الأوروبيين أي إشكالات قانونية قد تترتب عن تشغيل خدمات أو خطوط جوية خارج الإطار الذي تحدده الاتفاقية.
خِتاماً، أكد عرفي أن البروتوكول يتجاوز كونه تعديلا تقنيا مرتبطا بانضمام كرواتيا إلى الاتحاد الأوروبي، ليجسد التزام مؤسسات الاتحاد الأوروبي بالشرعية الدولية وبالأحكام القضائية الأوروبية التي تفرض التمييز القانوني بين المغرب والصحراء الغربية إلى حين التوصل إلى حل نهائي تحت إشراف الأمم المتحدة.
الاتفاق يضع الاتحاد الأوروبي أمام اختبار احترام التزاماته القانونية
من جهته، أفاد الناشط والإعلامي الصحراوي، حمه المهدي، بأن حصر تطبيق اتفاق الطيران الأورو-متوسطي بين الاتحاد الأوروبي والمغرب داخل الحدود المعترف بها دوليا للمغرب، يعكس تمسك الاتحاد الأوروبي بالوضع القانوني للصحراء الغربية باعتبارها إقليما لا يزال خاضعا لمسار تصفية الاستعمار، وينتظر شعبه ممارسة حقه في تقرير المصير تحت إشراف الأمم المتحدة، انسجاما مع قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن ذات الصلة.
وأوضح حمة المهدي أن هذه الخطوة تمثل امتدادا لسلسلة الأحكام الصادرة عن محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي، والتي أكدت بوضوح بطلان أي اتفاق يبرم بين الاتحاد الأوروبي والمغرب ويشمل الصحراء الغربية دون موافقة الشعب الصحراوي، باعتباره صاحب الحق في تقرير مصير الإقليم والسيادة على مجاله الجوي والبحري وموارده الطبيعية.
وأشار المتحدث إلى أن مصادقة البرلمان الأوروبي على البروتوكول المعدل تضع مؤسسات الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء أمام اختبار يتعلق بمدى احترام التزاماتها القانونية، لافتا إلى أن استمرار بعض الرحلات الجوية الأوروبية نحو المدن الواقعة في الصحراء الغربية المحتلة يتعارض مع المقتضيات القانونية التي كرسها البروتوكول، ومع الأحكام القضائية الأوروبية التي تؤكد أن الإقليم منفصل ومتمايز عن المغرب بموجب القانون الدولي.
وأضاف أن استثناء الصحراء الغربية من النطاق الإقليمي للاتفاق لا يحمل دلالة تقنية فحسب، وإنما يعكس إقرارا بالوضع القانوني المتميز للإقليم، ويؤكد أن أي تعامل أوروبي مع القضية الصحراوية يبقى محكوما بقواعد القانون الدولي وبالقرارات الأممية ذات الصلة.
وفي ختام حديثه إلى “الأيام نيوز”، أكد حمة المهدي أن هذا التطور يعزز المكانة القانونية للصحراء الغربية، ويبرز أن الاتحاد الأوروبي يجد نفسه، كلما تناول الملفات المرتبطة بالإقليم، ملزما بالاحتكام إلى القانون الدولي، الذي يعتبره المرجعية الأساسية في معالجة القضية الصحراوية.
المصدر صحيفة الايام نيوز تقرير للصحفية : سهام سعدية سوماتي
