القائمة الرئيسية

الصفحات

ترامب يضع شروط امام النووي السعودي.. حين يتحول التطبيع إلى ابتزاز استراتيجي

  


يكشف الإعلان الأمريكي عن ربط التعاون مع السعودية في مجال البرنامج النووي المدني باعترافها بالكيان الصهيوني، عن حقيقة سياسية لطالما حاولت الولايات المتحدة وحلفاؤها إخفاءها خلف شعارات «السلام» و«التعاون الإقليمي»: التطبيع ليس مشروع سلام، بل مشروع ابتزاز سياسي واستراتيجي يخدم الكيان الصهيوني أولاً.
فواشنطن لا تتعامل مع الاعتراف بالكيان الصهيوني باعتباره قراراً سيادياً مستقلاً، بل تستخدم نفوذها الاقتصادي والتكنولوجي والأمني لتحويله إلى ثمن يجب دفعه مقابل الحصول على امتيازات أو اتفاقيات أو ضمانات. وبذلك يصبح التطبيع صفقة سياسية واضحة: تكنولوجيا نووية مدنية ومكاسب استراتيجية للسعودية، مقابل منح الكيان الصهيوني اعترافاً جديداً وشرعية إضافية في المنطقة.

وهنا تتكشف المفارقة الكبرى: الكيان الذي يمارس الاحتلال والعدوان ويواصل انتهاك حقوق الشعب الفلسطيني، لا يُطلب منه تقديم أي تنازل جوهري، بينما يُطلب من الدول العربية أن تدفع ثمن علاقاتها مع الولايات المتحدة من رصيد القضية الفلسطينية.

إن هذه المعادلة تكشف أن ما يسمى «السلام الإبراهيمي» ليس سلاماً بين شعوب متساوية، ولا مصالحة بين طرفين أنهكهما الصراع، بل هو محاولة لإعادة تعريف المنطقة سياسياً واقتصادياً وأمنياً، بحيث يصبح الاحتلال كياناً طبيعياً، ويصبح رفضه هو الاستثناء.

والأخطر من ذلك أن التطبيع لا يتوقف عند إقامة علاقات دبلوماسية. فهو يفتح الباب أمام تطبيع اقتصادي وأمني وتكنولوجي وعسكري، ويمنح الكيان الصهيوني موقعاً متقدماً داخل النظام الإقليمي العربي، دون أن ينهي احتلالاً أو يعيد حقاً أو يوقف عدواناً.

إن ربط البرنامج النووي السعودي بالاعتراف بالكيان الصهيوني يؤكد أن التطبيع لم يكن يوماً «خياراً حراً» بالمعنى الكامل، بل هو في كثير من الأحيان نتيجة استخدام الولايات المتحدة لأدوات الضغط والإغراء، وتحويل الحاجات الوطنية للدول إلى وسائل لانتزاع تنازلات سياسية تخدم إسرائيل.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا يُطلب من العرب الاعتراف بالكيان الصهيوني مقابل مصالحهم، بينما لا يُطلب من الكيان الصهيوني إنهاء الاحتلال والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني قبل أن يحصل على المزيد من الاعتراف والاندماج؟

الجواب واضح: لأن الهدف الحقيقي ليس تحقيق السلام، بل تطبيع الاحتلال.

فالتطبيع، في جوهره، يمنح المحتل ما فشل في انتزاعه بالحرب: القبول السياسي والاقتصادي والأمني. ويحوّل الجرائم والاحتلال والاستيطان إلى تفاصيل هامشية أمام لغة المصالح والصفقات.

ومن هنا، فإن أي اتفاق يُبنى على مقايضة مصالح الدول العربية بالاعتراف بالكيان الصهيوني لا يمكن تقديمه باعتباره مشروعاً للسلام. إنه، في حقيقته، إعادة تدوير للاحتلال ومنحه شرعية مجانية، مقابل أثمان تدفعها الشعوب العربية من تاريخها وحقوقها وقضاياها المركزية.

وإذا كان التطبيع يحتاج إلى مليارات الدولارات، وبرامج نووية، وضمانات أمنية، وصفقات اقتصادية حتى يصبح مقبولاً، فهذا يعني أن الكيان الصهيوني لا يزال عاجزاً عن فرض «طبيعته» على المنطقة بقوة الحقيقة، ولذلك يحتاج إلى قوة الولايات المتحدة والصفقات والضغوط.
إن الاعتراف بالاحتلال لا يصنع السلام، والتطبيع مع المعتدي لا ينهي العدوان، والصفقات لا تسقط حقوق الشعوب. وما دام الاحتلال قائماً، فإن كل محاولة لتطبيعه ليست سلاماً، بل محاولة لإعادة تقديم الاحتلال في صورة شريك.

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...