القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة وتعليق : حين تفرض الجمهورية الصحراوية حضورها على من ينكر وجودها



في السياسة، ليست كل الصور مجرد صور، وليست كل الوقفات البروتوكولية عابرة. أحياناً، تختصر صورة واحدة معركة سياسية كاملة، وتكشف ما تحاول البيانات الرسمية إخفاءه.
في قمة الاتحاد الإفريقي للصحة المنعقدة اليوم في أكرا، تظهر صورة تجمع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ووزير الصحة العمومية في الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، عضو الأمانة الوطنية لجبهة البوليساريو الأخ أدة إبراهيم أحميم.
المفارقة السياسية واضحة: نظام مغربي يواصل، في خطابه السياسي والإعلامي، إنكار وجود الجمهورية الصحراوية ومحاولة تقديم القضية الصحراوية باعتبارها شأناً داخلياً مغربياً، يجد نفسه في قلب مؤسسة قارية لا تعترف بهذا الخطاب، بل تتعامل مع الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية باعتبارها دولة عضواً كاملة الحقوق في الاتحاد الإفريقي.

وهنا تكمن أهمية الصورة.
فالمغرب يمكنه أن يرفض تسمية الجمهورية الصحراوية في بياناته، ويمكنه أن يواصل تسويق روايته السياسية، المضللة ويمكنه أن يضغط لاخفاء علم الجمهورية الصحراوية في بعض المناسبات أو محاولة فرض شروطه البروتوكولية، لكنه لا يستطيع محو واقع سياسي وقانوني قائم داخل الاتحاد الإفريقي.
في أكرا، لم يكن حضور الوزير الصحراوي حضوراً رمزياً.
لقد وقف ممثلاً لدولة عضو في الاتحاد الإفريقي، وألقى كلمة باسم حكومة الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، مستحضرا تحيات رئيس الجمهورية والأمين العام لجبهة البوليساريو السيد إبراهيم غالي لنظرائه الأفارقة، وقدم رؤية الدولة الصحراوية حول قضايا الصحة والأمن الصحي والسيادة الدوائية في القارة وهذا تفصيل بالغ الدلالة.
فالجمهورية الصحراوية لم تكن حاضرة في القمة كموضوع للنقاش، ولا كطرف مراقب، ولا كحالة سياسية تنتظر الاعتراف، بل كانت حاضرة من موقع الدولة التي تقدم خطاباً سياسياً وقطاعياً، وتشارك في صياغة النقاش القاري حول مستقبل الصحة في إفريقيا.

في المقابل، وجد وزير الخارجية المغربي نفسه في المشهد ذاته، إلى جانب ممثل الدولة التي يقول الخطاب الرسمي المغربي إنها غير موجودة.
وهنا تكشف الصورة واحدة من أكبر تناقضات السياسة المغربية في إفريقيا: الإنكار السياسي لا يلغي الواقع المؤسساتي.
فالرباط تستطيع أن ترفض الاعتراف بالجمهورية الصحراوية، وتحتل أجزاء من اراضيها بقوة السلاح لا القانون، لكنها لا تستطيع أن تمنعها من الجلوس في مؤسسات الاتحاد الإفريقي. تستطيع أن تصف جبهة البوليساريو بعباراتها السياسية، لكنها لا تستطيع أن تلغي كونها الممثل السياسي الشرعي الوحيد للشعب الصحراوي في الإطار الإفريقي، ولا أن تمنع الجمهورية الصحراوية من ممارسة حضورها داخل المنظمة القارية.
بل إن المفارقة الأعمق تتمثل في أن المغرب، الذي غادر منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1984 احتجاجاً على قبول الجمهورية الصحراوية، عاد إلى الاتحاد الإفريقي بعد أكثر من ثلاثة عقود، ليجد نفسه مجبراً على العمل داخل المؤسسة نفسها التي تضم الجمهورية الصحراوية.
لقد تغيرت المعادلة، لكن الحقيقة بقيت ثابتة.
الجمهورية الصحراوية لم تختفِ بخروج المغرب من المنظمة القارية، ولم تسقط بعودته إليها.
بل إن عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي جعلت التناقض أكثر وضوحاً: دولة تعود إلى مؤسسة تضم دولة لا تعترف بها، ثم تجد نفسها مضطرة إلى التعايش معها في الاجتماعات والقمم واللجان والآليات والمؤسسات القارية.
واليوم، في قمة أكرا، تتكرر الصورة ذاتها.
لكن أهمية المشهد لا تتوقف عند الوقوف جنباً إلى جنب. فالكلمة التي ألقاها وزير الصحة الصحراوي تحمل في حد ذاتها دلالة سياسية عميقة.
فالجمهورية الصحراوية لم تدخل القمة من باب القضية الوطنية فقط، بل قدمت نفسها باعتبارها طرفاً مسؤولاً في النقاش القاري حول:
- إنهاء الإيدز بحلول عام 2030.
- حماية الأمهات والحد من الوفيات التي يمكن الوقاية منها.
- تعزيز الرعاية الصحية الأولية.
- مكافحة الأمراض المعدية وغير المعدية.
- دعم التصنيع الدوائي الإفريقي.
- تحقيق السيادة الصحية والدوائية للقارة.
- وقف نزيف هجرة الكفاءات الطبية الإفريقية.
وهذا يعني أن الحضور الصحراوي لم يكن مجرد حضور بروتوكولي، بل حضور دولة تملك خطاباً ومؤسسات ومواقف ورؤية تجاه قضايا القارة.
وهنا تحديداً تفشل محاولات اختزال الجمهورية الصحراوية في نزاع حدودي أو قضية إقليمية.
فالدولة التي تشارك في القمم القارية، وتقدم كلمات رسمية، وتطرح سياسات في الصحة، وتدافع عن السيادة الدوائية، وتساهم في النقاش حول مستقبل إفريقيا، ليست كياناً وهمياً يمكن محوه بمجرد إنكار سياسي.
الجمهورية الصحراوية موجودة في المؤسسات، في القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي، في القمم، في الاجتماعات الوزارية، وفي الوعي السياسي الإفريقي.
أما المغرب، فعليه أن يتعامل مع هذه الحقيقة، سواء أحب ذلك أم لم يحبه وعليه أن يدرك أن تصفية الاستعمار من الصحراء الغربية مسألة وقت فقط.
إن صورة اليوم تحمل رسالة أكبر من تفاصيلها: حين يجلس وزير مغربي إلى جانب وزير صحراوي في محفل إفريقي، فإن الواقع السياسي ينتصر على الخطاب الدعائي.
والأهم أن الصورة لا تعني أن المغرب اعترف ضمنيا بالجمهورية الصحراوية، لكنها تكشف شيئاً أكثر عمقاً: أن المغرب، داخل الاتحاد الإفريقي، لا يستطيع التصرف كما لو أن الجمهورية الصحراوية غير موجودة.
إنها موجودة في القاعة، في جدول الأعمال، في المؤسسات، وفي الممارسة اليومية للاتحاد.
وإذا كان النظام المغربي يواصل إنكار الجمهورية الصحراوية في خطابه، فإن إفريقيا تواصل التعامل معها باعتبارها حقيقة قائمة.
وهذه هي المفارقة التي تختصرها صورة أكرا اليوم:
المغرب يستطيع أن ينكر.
لكن الاتحاد الإفريقي يتعامل.
والجمهورية الصحراوية تشارك.
وفي السياسة، عندما يصبح وجود الدولة ممارسة يومية داخل المؤسسات القارية، فإن الإنكار لا يعود سوى موقف دعائي عاجز عن تغيير الواقع.
الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية حقيقة سياسية وقانونية وإفريقية قائمة، لا تلغيها بيانات الرباط، ولا تغيرها حملات التضليل، ولا تمحوها محاولات إنكار الواقع.
وفي أكرا، كما في كل محفل إفريقي، تواصل الجمهورية الصحراوية ممارسة حضورها، لا كضيف على إفريقيا، بل كجزء من إفريقيا.

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...