القائمة الرئيسية

الصفحات

حين يعجز الاحتلال عن الانتصار... يرفع لافتة "الإرهاب"

 


ليست المرة الأولى التي يحاول فيها نظام الاحتلال المغربي الهروب إلى الأمام كلما ضاقت به السبل في قضية الصحراء الغربية المحتلة، لكنها ربما المرة الأكثر دلالة على حجم المأزق الذي يعيشه، فبعد عقود من الرهان على القوة العسكرية، والدبلوماسية، والمال، واللوبيات، والإعلام، لم يجد اليوم سوى تهمة جاهزة يلوّح بها في وجه الانتصار الذي تحققه جبهة البوليساريو سوى تهمة "الإرهاب" بهتانا وزورا.
هذه ليست قوة موقف، بل اعتراف غير مباشر بأن أدوات الإقناع قد استنفدت، وأن الرواية التي سعى المخزن إلى ترسيخها دولياً لم تعد تحقق النتائج التي كان ينتظرها، فعندما يصبح الخطاب السياسي عاجزاً عن كسب الشرعية، يبدأ البحث عن شماعات أمنية، لأن تهمة الإرهاب في عالم اليوم أصبحت السلاح الأسهل لتشويه الخصوم ومحاولة عزلهم دولياً.
لكن السؤال الذي يتجنب النظام المغربي الإجابة عنه يظل قائماً: إذا كانت جبهة البوليساريو تنظيماً إرهابياً، فلماذا لا توجد على أي من قوائم الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو الاتحاد الإفريقي الخاصة بالتنظيمات الإرهابية؟ ولماذا تواصل الأمم المتحدة التعامل معها باعتبارها طرفاً أساسياً في العملية السياسية، ويواصل مبعوثوها لقاء قيادتها باعتبارها ممثلاً للنزاع؟ وكيف يجلس المغرب داخل الاتحاد الإفريقي في منظمة تضم الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية عضواً كامل العضوية، ثم يحاول في الوقت نفسه تسويق خطاب يناقض هذا الواقع السياسي والقانوني؟
إن أخطر ما في هذه الحملة ليس مضمونها، بل توقيتها. فهي تأتي في مرحلة يشهد فيها ملف الصحراء الغربية حراكاً قانونياً وسياسياً متجدداً، وتزايداً في النقاش الدولي حول الوضع القانوني للإقليم، في وقت يواجه فيه المغرب تحديات اقتصادية واجتماعية وحقوقية متصاعدة. لذلك، تبدو محاولة نقل النقاش من القانون الدولي إلى "الحرب على الإرهاب" محاولة لإعادة صياغة القضية بما يخدم حسابات سياسية أكثر مما يعكس حقائق قانونية.

لقد أثبت التاريخ أن حركات التحرر الوطني كثيراً ما تعرضت لحملات تشويه قبل أن تتحول إلى شركاء في المفاوضات أو إلى دول مستقلة. ولم يكن وصف الخصوم بالإرهاب يوماً بديلاً عن معالجة جذور النزاعات أو احترام قواعد القانون الدولي.
أما الشعب المغربي، فهو أول المتضررين من استمرار تحويل قضية الصحراء الغربية إلى أداة لإنتاج الإجماع الداخلي وإسكات الأصوات المنتقدة. فكلما اشتدت الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، عاد الخطاب الرسمي إلى استدعاء "الخطر الخارجي" باعتباره وسيلة لتأجيل الأسئلة المتعلقة بالحريات والعدالة الاجتماعية والتنمية.
إن القضايا العادلة لا تُحسم بالحملات الإعلامية، ولا تُحسم بتوزيع أوصاف سياسية على الخصوم، وإنما تُحسم بالشرعية الدولية وبالحقائق التي تصمد أمام اختبار القانون والتاريخ، أما البروباغندا، مهما ارتفع صوتها، فإنها تبقى عاجزة عن تغيير الطبيعة القانونية للنزاع، أو عن إلغاء وجود طرف تعترف به الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي في مسار التسوية وشعب قائم بذاته ينتظر حقه في تقرير المصير والاستقلال.
لقد آن الأوان لأن يدرك صناع القرار في الرباط أن الشرعية لا تُنتجها غرف الدعاية، ولا تصنعها منصات التواصل، ولا تمنحها حملات التشويه، فالحقائق السياسية لا تتغير بتغيير العناوين، والقانون الدولي لا يعيد كتابة نصوصه تحت ضغط الإعلام.
إن من يملك الثقة في عدالة موقفه لا يخشى الاحتكام إلى القانون، أما من يخشى القانون، فإنه غالباً ما يلجأ إلى صناعة الأعداء، لأن الأزمات المصطنعة تبقى، في نظر الأنظمة المأزومة، الوسيلة الأسرع للهروب من مواجهة الحقيقة، غير أن الحقيقة، مهما تأخر ظهورها، تظل أقوى من أي بروباغندا، وأبقى من أي حملة إعلامية عابرة.
عبد الله مومني 

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...