ليس كل من يدخل السجن يصبح أسيرا في ذاكرة الشعوب، وليس كل من يضرب عن الطعام يكتب فصلا جديدا في تاريخ الكرامة. لكن هناك رجالا، حين تضيق بهم الزنازين، تتسع بهم القضية، وحين يقتربون من الموت، يقتربون أكثر من الخلود.
ثلاثون يوما من الإضراب عن الطعام، وثلاثون عاما من الحكم بالسجن... ليست مجرد مصادفة رقمية في حياة الأسير المدني النعمة الأصفاري، أحد أبرز معتقلي مجموعة أكديم إزيك، بل مفارقة تختزل حجم المواجهة بين إرادة الإنسان وجبروت السجان.
الإضراب عن الطعام ليس بحثا عن الموت، بل احتجاج بأقسى ما يملكه الإنسان: جسده. إنه إعلان بأن الكرامة قد تصبح أغلى من الخبز، وأن الحرية قد تستحق أن يجازف المرء بحياته من أجلها. لذلك بقي هذا الشكل من النضال، عبر التاريخ، أحد أكثر وسائل المقاومة السلمية تأثيرا، لأنه يضع العالم أمام سؤال أخلاقي لا يمكن الهروب منه.
وقضية أكديم إزيك لم تكن قضية أفراد معزولين، بل أصبحت عنوانا لمرحلة كاملة. فمنذ تفكيك المخيم، وجد عدد من النشطاء أنفسهم أمام أحكام ثقيلة وسنوات طويلة من الاعتقال، لكن السنوات لم تستطع أن تطفئ أسماءهم ولا أن تنهي حضورهم في الوعي الجمعي.
لقد تحول أبطال أكديم إزيك، وفي مقدمتهم النعمة الأصفاري، إلى رموز للصمود، لأنهم لم يكتفوا بتحمل السجن، بل واصلوا المقاومة من داخل الزنازين، بالإضرابات عن الطعام، وبالصبر، وبالتشبث بما يؤمنون به، مؤكدين أن القيود قد تقيد الأجساد، لكنها لا تستطيع اعتقال القناعات.
ولذلك، فإن التضامن مع هؤلاء الأسرى ليس مجرد تعاطف إنساني، بل هو دفاع عن قيمة الحرية نفسها، وعن حق الإنسان في الكرامة والمحاكمة العادلة واحترام حقوقه الأساسية، مهما اختلفت المواقف السياسية.
قد يراهن السجان على الزمن، لكن التاريخ كثيرا ما أثبت أن الزمن لا يخلد السجون، بل يخلد أصحاب المواقف. فالأحكام تنتهي، والزنازين تتغير، أما الرجال الذين يختارون الكرامة على السلامة، فيبقون أحياء في ذاكرة الشعوب.
لهذا، تبدو العبارة أكثر صدقا من أي وقت مضى: اطلب الموت... توهب لك الحياة. فهناك حياة لا تقاس بعدد السنوات، بل بما يتركه الإنسان من أثر، وهناك رجال ينتصرون حتى وهم خلف القضبان.
سلامة مولود اباعلي
