في سجنون الاحتلال المغربي، لا تكون النظرة دائماً مجرد نظرة.
أحياناً، قد تختصر سنوات كاملة.
وقد تحمل من المشاعر ما تعجز الكلمات عن قوله.
داخل سجون الاحتلال المغربي، كان الكلام ممنوعاً، والهمس خطراً، وحتى النظر قد يتحول إلى مخالفة تستوجب العقاب.
لكن الإنسان، مهما حاصرته الجدران، يبحث دائماً عن نافذة صغيرة نحو الحياة.
نافذة قد تكون صوتاً.
أو وجهاً.
أو نظرة خاطفة.
بالنسبة إلى النجاة أخنيبيلا، كانت إحدى تلك النوافذ لحظة عابرة في ممر داخل المفوضية المركزية للشرطة المغربية بأكادير.
كانت قد أمضت سنوات في الاعتقال والعزلة.
سنوات طويلة لم تكن تعرف خلالها ماذا حلّ بزوجها.
ولا كيف يعيش أهلها.
ولا كم بقي من الطريق قبل أن تنفتح أبواب السجن.
ثم، في لحظة خاطفة، رأته.
كانوا يقتادونه عبر ممر المفوضية.
ولم يكن الذين يرافقونه يعرفون أنه زوجها.
مرّ أمامها.
لم تستطع الاقتراب.
لم تستطع الكلام.
لكنها استطاعت أن تراه.
كانت نظرة مسروقة من بين أيدي السجانين.
نظرة خاطفة، لكنها حملت كل شيء.
العطف.
والحنان.
والاشتياق.
والفخر.
كان زوجها أمامها، لكنه كان بعيداً عنها بمسافة أكبر من أي مسافة.
مسافة صنعتها الزنازين.
والقيود.
والسنوات.
لم تكن تعرف إن كان سيسمح لها برؤيته مرة أخرى.
لذلك بقيت تلك اللحظة عالقة في ذاكرتها.
أحياناً، لا يحتاج الإنسان إلى أكثر من ثانية واحدة ليعرف أنه لم يُهزم.
فالنجاة، رغم كل ما مرّت به، لم تكن قد فقدت قدرتها على الحب.
ولم يكن السجن قد استطاع أن يمحو مشاعرها.
بل ربما جعلها أكثر وضوحاً.
في مكان يحاول فيه السجانون تحويل الإنسان إلى رقم، كانت تلك النظرة تذكيراً بأن المعتقلة ما زالت إنسانة.
لها قلب.
ولها ذاكرة.
ولها من تنتظره.
لكن في قلعة مكونة، كان هناك نوع آخر من التواصل.
تواصل لم يكن يحتاج إلى رؤية الوجوه.
ولا إلى الاقتراب.
ولا حتى إلى الكلام المباشر.
كان يكفي حجر.
كانت الزنازين مبنية من الصخور الكبيرة.
جدران صلبة تفصل المعتقلات عن بعضهن.
كل مجموعة خلف جدار.
وكل امرأة داخل عالم من العزلة.
عندما وصلت الدكجة لشكر ورفيقاتها إلى قلعة مكونة، لم يكن واضحاً من يوجد خلف تلك الصخور.
كان المكان غريباً.
والصمت ثقيلاً.
لكن الصمت لا يستطيع دائماً أن يمنع الناس من البحث عن بعضهم.
في غمرة الحيرة، اقتربت إحدى المعتقلات من مجموعة سنة 1976 من الصخور الفاصلة بينهن.
طرقت.
ثم سألت بصوت خافت، مشبع باللهجة الحسانية:
«انتوما من امنين؟»
جاء الجواب:
«نحن أهل العيون .. أهل 1976.»
كانت كلمات قليلة.
لكنها كانت أكبر من جدار.
في تلك اللحظة، لم تعد الصخور مجرد حاجز.
تحولت إلى وسيلة للتعارف.
واللهجة الحسانية لم تعد مجرد لغة للتواصل.
أصبحت علامة.
هوية.
وذاكرة.
ورابطاً بين نساء جمعهن السجن، بعدما فرقتهن الاعتقالات.
تقول الدكجة إن إحدى الرفيقات، ومن شدة التأثر، سقطت أرضاً
لم يكن ذلك مجرد لقاء بين مجموعتين من المعتقلات.
كان لقاء بين أجيال من المقاومة.
نساء سبقن إلى السجن.
ونساء وصلن بعدهن.
لكن الجدران لم تستطع أن تمنع انتقال الذاكرة.
ففي السجون، كما في ساحات النضال، هناك دائماً من يصل أولاً.
وهناك من يأتي بعده.
لكن الحكاية لا تبدأ من جديد.
إنها تستمر.
كانت مجموعة سنة 1976 تحمل في ذاكرتها سنوات طويلة من الاعتقال.
وكانت الدكجة ورفيقاتها يصلن محملات بتجارب أخرى.
وبين المجموعتين، كان هناك تاريخ كامل.
تاريخ من الاعتقال في سجون الاحتلال.
والاختفاء.
والتعذيب.
والانتظار.
لكن خلف ذلك كله، كان هناك شيء آخر.
القدرة على التواصل.
القدرة على التعرف.
القدرة على تحويل الصخر إلى جسر.
في السجن، لم تكن المعتقلات يملكن الكثير.
لا حرية.
ولا رسائل.
ولا أخباراً.
ولا حتى حق الحديث متى شئن.
لكنهن كن يملكن الذاكرة.
وكانت الذاكرة كافية أحياناً لمواجهة العزلة.
كان السؤال:
«من أنتم؟»
أكثر من سؤال.
وكان الجواب:
«نحن أهل العيون.»
أكثر من تعريف.
أما:
«نحن أهل 1976.»
فكان إعلاناً بأن هناك من بقي حياً.
وأن هناك من لا يزال يتذكر.
وأن الجدران، مهما ارتفعت، لا تستطيع أن تقطع الصلة بين الإنسان وهويته.
في تلك اللحظة، كان السجن يجمع بين الألم والفرح.
فرح التعرف إلى آخرين.
وألم اكتشاف حجم المأساة.
فخلف تلك الصخور، لم تكن هناك فقط نساء ينتظرن الحرية.
كان هناك مرضى.
ومسنون.
وأمهات.
ومعتقلون أنهكهم الزمن.
وكانت هناك ذاكرة لا تزال تبحث عن من يحملها.
من نظرة مسروقة في ممر الشرطة...
إلى طرقة خافتة على صخرة في قلعة مكونة...
كانت المعتقلات يستعدن شيئاً حاول السجن انتزاعه منهن:
إنسانيتهن.
فالإنسان لا يعيش بالخبز وحده.
ولا يصمد بالقوة وحدها.
أحياناً، يحتاج إلى نظرة.
إلى كلمة.
إلى صوت يأتي من خلف جدار ويقول:
نحن هنا.
ومن خلف جدار الصمت، بدأت حكايات أخرى في الظهور.
حكايات عن أمهات فقدن أبناءهن.
وعن معتقلات حملن الألم داخل أجسادهن.
وعن مرضى وموتى تُركوا خلف الجدران.
حكايات ستكشف أن قلعة مكونة لم تكن مجرد مكان للاعتقال.
بل كانت مسرحاً لواحدة من أقسى صفحات الذاكرة الصحراوية.
في الحلقة القادمة:
أمٌ تلد خلف القضبان... ثم يُنتزع منها مولودها قبل أن تعرف حتى إن كان ذكراً أم أنثى.
يتبع...
