نحو تجديد مؤسساتي وسياسي صحراوي .. ضرورة فتح نقاش وطني حول مؤسساتنا ومستقبلنا
بقلم: سلامو أحمد
محامٍ صحراوي
لقد اتسم تاريخ الشعب الصحراوي وحركته الوطنية بتضحيات جسيمة، وتحديات كبيرة، وقدرة استثنائية على الصمود. فعلى مدى عقود، دافع الشعب الصحراوي عن هويته وحريته وحقه في تقرير مستقبله، في ظروف بالغة الصعوبة.
وقد سمح هذا المسار الطويل ببناء مؤسسات وهياكل سياسية وإدارية وعسكرية أدت دوراً أساسياً في بقاء واستمرارية المشروع الوطني الصحراوي.
غير أن أي مؤسسة لا يمكن أن تبقى جامدة إلى ما لا نهاية. فالمجتمعات تتغير، والسياقات السياسية تتطور، والتحديات تتبدل. ولذلك، يجب على المؤسسات أيضاً أن تكون قادرة على التكيف والتجدد والاستجابة للواقع الجديد.
إن الحديث عن التجديد المؤسساتي لا يعني إنكار التاريخ أو التشكيك في التضحيات التي قُدّمت. بل على العكس، إنه يعني تحمل مسؤولية الحفاظ على ما تم بناؤه وتعزيزه من أجل المستقبل.
من النقاش حول الأشخاص إلى النقاش حول المؤسسات
في كثير من الأحيان، يتركز النقاش السياسي بشكل مفرط حول الأشخاص. فنحن نتحدث عن المرشحين والقادة والمسؤولين والأسماء، بينما نولي اهتماماً أقل للقواعد والآليات والمؤسسات التي تحدد كيفية اتخاذ القرارات.
غير أن هناك سؤالاً أساسياً ينبغي أن يكون في صميم تفكيرنا:
هل مؤسساتنا وآليات مشاركتنا ملائمة بما يكفي للاستجابة للتحديات الراهنة؟
لا ينبغي تفسير هذا السؤال على أنه تهديد أو نقد هدّام. فكل تنظيم سياسي يطمح إلى البقاء حياً وفعالاً يجب أن يمتلك القدرة على تقييم نفسه ومراجعة أدائه.
إن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على السؤال حول من ينبغي أن يتولى مسؤولية معينة، بل ينبغي أيضاً أن نطرح الأسئلة التالية:
- كيف يتم اختيار قياداتنا؟
- كيف يتم إعداد وتعديل قواعدنا الأساسية؟
- ما الدور الحقيقي الذي تؤديه المؤتمرات؟
- كيف نضمن مشاركة القاعدة؟
- كيف نسهّل تجديد الأفكار والقيادات؟
- كيف نضمن أن تستجيب المؤسسات فعلاً لتطلعات المجتمع؟
هذه الأسئلة لا تخص شخصاً بعينه ولا تياراً سياسياً محدداً، بل تخص الشعب الصحراوي بأكمله.
ضرورة فتح نقاش وطني
إن الواقع الراهن يفرض علينا تجاوز النقاشات المحدودة وفتح تفكير وطني أوسع.
وينبغي لنقاش وطني جاد أن يتيح مشاركة المناضلين، والقانونيين، والمثقفين، والشباب، والنساء، والأطر السياسية والإدارية، وممثلي المجتمع المدني، وكل من يستطيع المساهمة بأفكار من شأنها تعزيز المشروع الوطني.
ولا يتعلق الأمر بتحويل النقاش إلى مواجهة بين الأشخاص أو المجموعات، بل بخلق فضاء لتحليل ما يعمل بشكل جيد، وما يحتاج إلى تحسين، وما هي الإصلاحات التي يمكن أن تعزز مؤسساتنا.
إن التنظيم السياسي لا يضعف لأن أعضاءه يناقشون ويختلفون في الرأي. بل على العكس، فإن غياب النقاش قد يؤدي إلى الجمود والإحباط وفقدان الثقة.
ولا ينبغي الخلط بين الوحدة الوطنية وغياب الآراء المختلفة. فالوحدة يمكن، بل ويجب، أن تُبنى أيضاً من خلال الحوار والمشاركة والبحث الجماعي عن الحلول.
القواعد الأساسية والمستقبل المؤسساتي
من بين القضايا التي تستحق تفكيراً عميقاً، نجد القانون الأساسي والدستور.
فالقواعد الأساسية لا ينبغي اعتبارها نصوصاً لا يجوز المساس بها أو نصوصاً بعيدة عن المجتمع. بل يجب أن تستجيب لاحتياجات كل مرحلة تاريخية وأن تضمن توازناً مناسباً بين المؤسسات والسلطات.
ويكتسي الدستور، على وجه الخصوص، أهمية أساسية، لأنه ينظم عمل الدولة، ويحدد اختصاصات مؤسساتها، ويضع المبادئ الأساسية للحياة السياسية الوطنية.
ولهذا، فإن أي نقاش حول إصلاحه ينبغي أن تسبقه مشاورات واسعة وتشاركية. كما ينبغي أن تكون مقترحات التعديل الدستوري قابلة للدراسة من طرف القانونيين والمتخصصين والمثقفين والمناضلين والمواطنين، قبل إحالتها على الإجراءات المؤسساتية المعمول بها.
فالدستور لا ينبغي أن يكون موضوعاً للنقاش فقط في الفترات التي تسبق انعقاد المؤتمر، بل يجب أن يكون جزءاً من تفكير دائم حول نوع الدولة والمؤسسات التي نريد بناءها.
المؤتمر والتمثيل
يحتل المؤتمر مكانة مركزية في الحياة السياسية لأي تنظيم يطمح إلى تمثيل شعبه.
ولهذا، فمن المشروع أن نتساءل عن الدور الحقيقي للمؤتمرين.
هل ينبغي أن يقتصر دورهم على التصويت على المقترحات المقدمة من القيادة؟
أم ينبغي لهم أيضاً أن يمثلوا آراء وانشغالات وتطلعات القواعد التي انتخبتهم؟
إن التمثيل لا يمكن اختزاله في مجرد الحضور الجسدي لعدد محدد من المندوبين. فالتمثيل الحقيقي يتطلب النقاش، وحرية الرأي، والمسؤولية، والقدرة على نقل انشغالات المجتمع.
وينبغي أن يكون المؤتمِر أكثر من مجرد ناخب. يجب أن يكون شخصاً قادراً على المساهمة في النقاش، وتقديم المقترحات، والمشاركة في بناء القرارات الوطنية.
إن جودة المؤتمر لا تعتمد فقط على عدد المشاركين فيه، بل أيضاً على جودة النقاش وعلى الحرية التي يتمتع بها أعضاؤه في التعبير عن آرائهم.
تجديد آليات المشاركة
يتطلب التجديد المؤسساتي أيضاً التفكير في آليات الانتخاب.
فالديمقراطية الداخلية الأكثر قوة تتطلب أن يكون المشاركون على علم بمختلف البدائل وبمقترحات الأشخاص الذين يطمحون إلى تولي مسؤوليات قيادية.
إن الشفافية في عمليات الترشح تسمح للناخبين بالاختيار بقدر أكبر من المعرفة والمسؤولية.
ولا ينبغي أن يبدأ النقاش السياسي فقط عندما يحين موعد التصويت. بل ينبغي للمرشحين أن يكونوا قادرين على تقديم أفكارهم وبرامجهم ورؤيتهم للمستقبل في وقت كافٍ قبل عملية الانتخاب.
وبهذه الطريقة، لن يجد الناخب نفسه أمام اختيار يقوم حصراً على المعرفة الشخصية بأسماء معينة أو على استمرار الوجوه نفسها.
إن التجديد لا يعني بالضرورة إقصاء الخبرة. فالخبرة مهمة، لكن الأفكار الجديدة والأجيال الجديدة والقدرة على الاستجابة لتحديات كل مرحلة هي أيضاً أمور مهمة.
الإصلاح من أجل التعزيز
يواجه الشعب الصحراوي تحديات معقدة. فالوضع الدولي يتغير، والعلاقات الدبلوماسية تتطور، والواقع الاجتماعي لشعبنا يتحول أيضاً.
وفي هذا السياق، تحتاج مؤسساتنا إلى القوة والشرعية والقدرة على التكيف.
ولا ينبغي النظر إلى الإصلاح المؤسساتي باعتباره تهديداً. فإذا تم بطريقة مسؤولة، فإنه يمكن أن يساهم في تعزيز الوحدة، وتحسين المشاركة، وزيادة ثقة المجتمع في مؤسساته.
إن النقد البناء لا يهدف إلى تدمير ما تم بناؤه، بل يهدف إلى منع ابتعاد المؤسسات عن المجتمع وضمان استمرارها في خدمة المشروع الوطني بفعالية.
ولهذا، فإن النقاش حول المستقبل لا ينبغي أن يُعتبر مسألة reservedة على قلة من الأشخاص.
إن مستقبل المؤسسات الصحراوية يخص جميع الصحراويين.
ولهذا بالضبط، فقد حان الوقت لفتح نقاش وطني جاد ومسؤول وبناء حول قواعدنا، ومؤسساتنا، وآليات مشاركتنا، ومستقبل مشروعنا الوطني.
الإصلاح لا يعني التخلي عن تاريخنا.
والتجديد لا يعني إنكار تضحياتنا.
والنقاش لا يعني تقسيمنا.
بل على العكس، فإن المؤسسة التي تقبل التفكير والنقاش والتجديد تثبت أنها تمتلك الثقة الكافية للنظر إلى المستقبل.
إن تعزيز مؤسساتنا يجب أن يكون مسؤولية جماعية.
بقلم: سلامو أحمد
