يعود رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الجزائر، في زيارة تكشف بوضوح حدود المناورة السياسية لمدريد في شمال إفريقيا. فإسبانيا تحتاج إلى الغاز الجزائري، وتحتاج إلى السوق الجزائرية، وتحتاج قبل ذلك إلى إعادة بناء علاقة مع قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها أو الالتفاف على وزنها في المنطقة.
الزيارة تأتي بعد أزمة عميقة فجّرها قرار الحكومة الإسبانية الانحياز إلى الطرح المغربي بشأن قضية الصحراء الغربية، في تحول مفاجئ عن الموقف التقليدي الذي حافظت عليه مدريد لعقود. لكن السياسة، كما يبدو، أعادت سانشيز إلى النقطة التي حاول تجاوزها: الجزائر.
عندما يتحدث الغاز بلغة الجغرافيا السياسية
تبحث إسبانيا اليوم عن مزيد من الاستقرار في مجال الطاقة، في ظل الاضطرابات الدولية وتراجع الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي. وفي هذه المعادلة، تبرز الجزائر باعتبارها المورد الرئيسي للغاز إلى إسبانيا، وشريكًا لا يمكن استبداله بسهولة.
لذلك، سيكون الغاز في مقدمة أجندة سانشيز، إلى جانب الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والاستثمارات الإسبانية في السوق الجزائرية.
لكن مدريد لا تأتي إلى الجزائر بالغاز وحده. إنها تأتي أيضًا بحثًا عن عقود ومشاريع وأسواق جديدة لشركاتها في قطاعات البنية التحتية والنقل والمياه والطاقة.
وبعبارة أكثر وضوحًا: إسبانيا تحتاج الجزائر اقتصاديًا وطاقويًا، أكثر مما تستطيع الجزائر أن تتجاهل إسبانيا.
الجزائر لا تبيع مواقفها
غير أن الحسابات الجزائرية تختلف عن الحسابات الإسبانية.
فالجزائر، التي أثبتت أنها قوة إقليمية وازنة و«القوة الضاربة» في شمال إفريقيا، لا تتعامل مع علاقاتها الدولية بمنطق المقايضة السياسية. الغاز ليس شيكًا مفتوحًا، والاستثمارات لا تعني التنازل عن المبادئ.
وفي مقدمة هذه المبادئ، يأتي الموقف الثابت من قضية الشعب الصحراوي، وحقه غير القابل للتصرف في تقرير مصيره، وفق الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة.
ولهذا، فإن محاولة مدريد إعادة بناء العلاقات مع الجزائر لن تمر عبر الاقتصاد وحده. فالثقة السياسية التي تضررت بسبب الموقف الإسباني من قضية الصحراء الغربية لا يمكن إصلاحها بمجرد توقيع اتفاقيات تجارية أو زيادة تدفقات الغاز.
الصحراء الغربية.. ما لا يستطيع سانشيز شراءه
قد يطلب سانشيز مزيدًا من الغاز، وقد تبحث الشركات الإسبانية عن مزيد من العقود، وقد تسعى مدريد إلى استعادة موقعها في السوق الجزائرية.
لكن ما لا يستطيع رئيس الحكومة الإسبانية شراءه هو الموقف الجزائري من قضية الشعب الصحراوي.
ذلك الموقف ليس ورقة تفاوضية، ولا موقفًا ظرفيًا يمكن تعديله تحت ضغط المصالح الاقتصادية. إنه جزء من رؤية الجزائر للشرعية الدولية وتصفية الاستعمار وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
ومن هنا، فإن زيارة سانشيز إلى الجزائر تحمل رسالة سياسية تتجاوز تفاصيل الاتفاقيات: المصالح يمكن أن تعيد فتح الأبواب، لكنها لا تشتري المبادئ.
يعود سانشيز إلى الجزائر لأن مدريد تحتاجها. وتستقبل الجزائر رئيس الحكومة الإسبانية من موقع قوة، لا من موقع التابع.
أما الغاز، فقد يساعد على إعادة تشغيل العلاقات. لكنه لن يغير حقيقة أن قضية الصحراء الغربية ليست للبيع، وأن الجزائر، مهما تغيرت الظروف، لا تساوم على حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.
بابا السيد لعروسي
إعلامي ودبلوماسي صحراوي
