نساء لم يحملن السلاح، لكنهن حملن شيئاً لا يقل قوة عنه: الذاكرة، والكرامة، والإيمان بالحرية في سبيل الاستقلال الوطني.
كانت الدكجة لشكر، والنجاة أخنيبيلا، ومثيلاتهن كثيرات من المعتقلات السياسيات الصحراويات، في مواجهة آلة قمع لم تفرّق بين رجل وامرأة، ولم تترك وسيلة إلا واستخدمتها لإخماد أصوات المطالبين بالحرية وتقرير المصير والاستقلال.
تعرضن للاعتقال والاختفاء والتعذيب والاستنطاق والسجن الانفرادي، وعشن سنوات طويلة خلف أسوار السجون المغربية المغلقة، في أماكن لم يكن يصل إليها صوت العالم.
لكن الاحتلال لم ينجح في تحويلهن إلى مجرد أرقام داخل سجلات السجون.
فقد تحولت الأنوثة الصحراوية، بمعناها التاريخي والإنساني، إلى صوت قادر على الوقوف في وجه الطغيان.
كانت المرأة الصحراوية حاضرة في قلب المعركة.
في الزنزانة.
في غرف التحقيق.
في السجون السرية المغربية.
وفي لحظة الخروج إلى الحرية.
لم تكن التجربة مجرد سنوات من الألم.
كانت حياة كاملة اختُزلت داخل جدران باردة، وذاكرة حملت وجوه المعتقلين، وأصوات الأمهات، وصرخات المعذبين، وأحلاماً لم تستطع القضبان قتلها.
من هنا تبدأ حكاية الدكجة لشكر والنجاة أخنيبيلا.
حكاية امرأتين خرجتا من السجن، لكن السجن لم يخرج من ذاكرتهما.
حكاية جيل من النساء الصحراويات اللواتي واجهن الاعتقال، والتعذيب، والاختفاء، والعزلة داخل مخافر وسجون الاحتلال، دون أن يتخلين عن الوطن والقضية.
نحن لا نعود إلى الماضي بحثاً عن الألم وحده.
ولا نفتح دفاتر الذاكرة لمجرد استعادة ما حدث.
نحن نحاول الاقتراب من الحقيقة والتجارب النضالية الملهمة.
من الحقيقة التي بقيت لسنوات خلف الأبواب المغلقة.
من الحقيقة التي لم تستطع جدران السجون دفنها.
فهل يكفي أن نتذكر الوجع حتى تعود الأحلام التي استطاعت السجينات تلوينها بعد الخروج من فم الثعبان؟
وهل تستطيع سنوات الحرية المنقوصة أن تغيّر طعم السجون الذي بقي عالقاً في الأفواه؟
وهل يمكن للذاكرة أن تعيد للسنوات المسروقة ما أخذته الزنازين؟
أم أن ما نفعله اليوم ليس سوى محاولة لنبش ما دُفن خلف جدار الذل والعار؟
في هذه السلسلة، سنعود إلى البداية.
إلى لحظة الاعتقال.
إلى الطريق نحو المجهول.
إلى مراكز الاستنطاق والتعذيب.
إلى السجون السرية.
إلى اكدز وقلعة مكونة.
إلى سجن سلا.
وإلى تلك اللحظة التي يُفتح فيها الباب أخيراً، ويخرج المعتقل إلى الشمس، حاملاً جسداً أنهكته سنوات السجن، وروحاً لم تستطع الزنازين كسرها.
سنروي الوقائع كما بقيت في الذاكرة.
من لحظة إلقاء القبض...
إلى لحظات فك القيود.
من الخوف والترهيب...
إلى الصمود.
من العزلة...
إلى الرفقة.
ومن الجمر...
إلى الحرية.
هذه ليست حكاية امرأتين فقط.
إنها حكاية نساء صحراويات كثيرات.
نساء دخلن السجن وهن يحملن قضية
وخرجن منه وهن يحملن ذاكرة.
وفي المسافة بين السجن والحرية، بقي سؤال واحد مفتوحاً:
كم يمكن للإنسان أن يتحمل قبل أن ينكسر؟
والجواب الذي تركته الدكجة والنجاة ومثيلاتهن خلفهن كان واضحاً:
يمكن للجلاد أن يعذب الجسد.
يمكن للسجن أن يصادر السنوات.
يمكن للزنزانة أن تمنع الكلام.
لكن لا أحد يستطيع أن يسجن الحلم إلى الأبد.
يتبع...
