يثير قرار المكتب الدائم للأمانة الوطنية تشكيل مجموعات عمل جديدة لإعداد دراسات حول ميادين برنامج العمل الوطني، إلى جانب مجموعة خاصة بدراسة التجربة الديمقراطية للحركة والدولة، جملة من التساؤلات حول طبيعة الأولويات الوطنية في هذه المرحلة الحساسة من مسار القضية الصحراوية.
فمن حيث المبدأ، لا يمكن الاعتراض على التقييم والدراسة والمراجعة باعتبارها أدوات ضرورية لتطوير الأداء السياسي والمؤسساتي، غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في أن هذه المبادرات تتكرر منذ سنوات بنفس الاشخاص واللجان ونفس مستوى التفكير والعناوين، بينما تبقى المخرجات حبر على ورق.
إن التحدي الذي يواجه المشروع الوطني الصحراوي اليوم لا يتمثل في نقص الدراسات حول تشخيص الواقع المرفوض أو غياب اللجان، وإنما في التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة التي تستهدف جوهر القضية الوطنية، فخلال الأشهر المقبلة، وتحديدًا مع اقتراب موعد مناقشة ملف بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو) داخل مجلس الأمن في أكتوبر المقبل، تتكثف التحركات الرامية إلى إعادة صياغة دور البعثة، أو تغيير طبيعة مهامها، بما يخدم تكريس الأمر الواقع الذي فرضه الاحتلال المغربي، في ظل دعم أمريكي وتطبيع متزايد مع الكيان الصهيوني.
وفي هذا الإطار، يبرز السؤال العريض: هل الأولوية الوطنية اليوم هي إعادة إنتاج لجان تفكير جديدة تناقش برامج افتراضية لا وجود لها إلا في مخيلة من رسمها، أم أن المطلوب هو إطلاق نقاش وطني واستراتيجي شامل لتعبئة كل الطاقات الوطنية من أجل مواجهة المخططات التي تستهدف تصفية القضية الوطنية والالتفاف على حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير والاستقلال؟
إن المرحلة تفرض نقاشًا وطنيًا مختلفًا، يتجاوز الجوانب الإدارية والتنظيمية إلى التفكير في أدوات الفعل السياسي والدبلوماسي والإعلامي والقانوني، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية بما يتناسب مع حجم التحديات، كما تستدعي تقييمًا صريحًا لادوات الفعل في مختلف المجالات، ومراجعة آليات اتخاذ القرار، وفتح المجال أمام الكفاءات والخبرات الوطنية للمشاركة الفعلية، بعيدًا عن منطق احتكار المسؤوليات وإعادة تدوير الأسماء على اسس الولاء والمحسوبية والقبلية.
فالقضية اليوم ليست أزمة هياكل أو نقصًا في اللجان، بل أزمة أولويات وإذا كان العدو يعمل على تغيير معالم الوضع القانوني للقضية الصحراوية على المستوى الدولي، فإن العمل بإعادة إنتاج الوثائق والبرامج ذاتها قد يبعث برسالة سلبية تبرز حجم الأزمة التي تمر بها القضية الوطنية والقيادة السياسية التي لم تدرك بعد حجم التحول الذي يفرضه الواقع.
إن حماية المشروع الوطني الصحراوي تقتضي الانتقال من مرحلة إنتاج اللجان إلى مرحلة إنتاج القرارات والمبادرات، ومن إدارة الواقع إلى التأثير فيه، ومن تكرار الأدوات القديمة إلى ابتكار وسائل جديدة تستجيب لمرحلة غير مسبوقة من الضغوط والاستهداف المباشر للقضاء على الشعب الصحراوي وتقسيمه بين الدول.
فالشعوب لا تنتصر بكثرة اللجان، وإنما بوضوح الرؤية، وحسن اختيار الكفاءات وتحديد الأولويات، والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص لتعزيز وحدة الصف الوطني والدفاع عن الهدف الذي ضحى من أجله آلاف الشهداء، وهو بناء دولة صحراوية مستقلة كاملة السيادة.
الكاتب والاعلامي : محمد لمين حمدي
