القائمة الرئيسية

الصفحات

بادي محمد سالم... إنسان زاهد، شاعر وعالم.


كان بادي محمد سالم واحدًا من أولئك الرجال الذين لا تتكرر نماذجهم كثيرًا؛ جمع بين وقار العالم، وحكمة الزاهد، وموهبة الشاعر. عاش بعيدًا عن الأضواء، قريبًا من الناس، فترك أثرًا بعلمه، وخلّد اسمه بشعره، حتى أصبح أحد أبرز أعلام الأدب الحساني، وصوتًا صادقًا عبّر عن الإنسان والمكان والزمن.
ولعل أجمل ما يميز شعره أنه لم يكن مجرد نظم للكلمات، وإنما كان ذاكرةً تحفظ تفاصيل الحياة، وتوثق ملامح مجتمع كامل، وتمنح للأمكنة والأزمنة روحًا تنبض بالحياة. ومن أروع ما قاله هذه الطلعة الخالدة:
مات الماضي سبحان الحي، الدائم مغل من زي، عييت نشوف ماه فأي، حاظر ما حاظر فيه آواش، كيف امبات على فم حسي، بل ثراه أماسيه فراش، فالصيف ينهول عند عي، لبهانيس وحس الخشاش، واللا يالالك دهر الري، زرع مافات طلس لعراش، والفرگان الحية وشوي، ثاني ما عينك فالتماش، وسرية من حي إلى حي، وتفاگ مراكيب تتناش، گبل طلوع الشمس على ري، العين المعالم فراشة، تنظرها ما خفيك أودي، منها فملاس ولا فحراش، واتاي على ما فيه الطي، من تاورطة واللا من مآش، گيك بعيد اهل من لحفي، ماه گليل وحطبو گشگاش، وافراش حذ بل الشي، واعظام على ذاك آفراش، عنك ما تتفگد يخي، يذا من شي لذيذ نعاش، ماه فالدهر تل موجود، لوكان اتشواش ايو لآش، نافعني فيه المال نعود، زدت على تشواشي تشواش.
هذه الطلعة ليست مجرد حنين إلى الماضي، بل هي قصيدة فلسفية في معنى الزمن. يبدأها الشاعر بقوله: «مات الماضي سبحان الحي الدائم»، فيعلن منذ البيت الأول حقيقة الوجود؛ فكل ما على الأرض إلى زوال، ولا يبقى إلا الله سبحانه وتعالى.
ثم يفتح أمامنا أبواب الذاكرة، فنرافقه بين الآبار، والفرگان، والسراري، والمراعي، وروائح الحطب، ومجالس الشاي، وأصوات البادية، حتى نشعر وكأننا نعيش تلك الحياة بكل تفاصيلها. إنه لا يصف المكان فحسب، بل يستدعي روحه، ويبعث فيه الحياة من جديد.
وعندما يقول: «گبل طلوع الشمس على ري، العين المعالم فراشة»، يرسم لوحة بصرية آسرة؛ لحظة صفاء تسبق شروق الشمس، حيث تمتد العين في الفضاء الفسيح، فتلتقط معالم الأرض واضحة جلية. إنها صورة تختزل علاقة البدوي بأرضه، ومعرفته الدقيقة بمسالكها، وشغفه الذي لا تخطئه العين.
غير أن الشاعر لا يقف عند حدود الوصف، بل يحول تلك الصور إلى تأمل عميق في تبدل الأحوال؛ فالفرقان خلت، والمجالس انفضت، والوجوه غابت، ولم يبق إلا الذكرى. وهنا تتجلى شاعرية بادي محمد سالم، إذ يجعل من التفاصيل اليومية رموزًا لذاكرة جماعية يخشى عليها من الضياع.
ويبلغ النص ذروة حكمته في خاتمته، حين يقرر أن المال، مهما كثر، لا يستطيع أن يعيد زمنًا مضى، ولا أن يشتري يومًا من أيام العمر الجميل، ولا أن يعيد الأحبة الذين غيبهم الدهر. إنها خاتمة موجعة، لكنها صادقة، تذكر الإنسان بأن بعض الخسارات لا يعوضها شيء.
لهذا لم يكن بادي محمد سالم شاعرًا فقط، بل كان مؤرخًا للوجدان، وحارسًا للذاكرة، وفيلسوفًا قرأ الحياة بعين المؤمن، وروح الشاعر، وعقل العالم. وستبقى هذه الطلعة من عيون الشعر الحساني، لأنها لم تحفظ الماضي فحسب، بل منحت الأجيال القادمة فرصة للعيش فيه، ولو عبر الكلمات.
سلامة مولود اباعلي

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...