القائمة الرئيسية

الصفحات

تقاسم الأدوار بين إسبانيا وفرنسا في زمن حرب الطاقة.. هل يفتح الباب أمام تراجع المشروع الفرنسي في المنطقة وإنهاء الاستعمار من الصحراء الغربية؟


لم تعد التحولات الجارية في العلاقات الأوروبية مع منطقة المغرب العربي تُقرأ فقط من زاوية الحسابات الدبلوماسية التقليدية أو صراعات النفوذ التاريخية. فالعالم دخل مرحلة جديدة من الصراع على الطاقة، تتداخل فيها خطوط الغاز، وممرات الكهرباء، والهيدروجين الأخضر، والاستثمارات في الطاقات المتجددة مع الملفات الأمنية والسياسية والجيوستراتيجية.
وفي قلب هذا التحول، يبدو أن إسبانيا وفرنسا تتجهان، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى نوع من تقاسم الأدوار داخل المجال المغاربي: مدريد تتحرك بحكم الجغرافيا والاعتماد الطاقي المباشر، بينما تحاول باريس الحفاظ على موقعها التاريخي والنفوذ السياسي والاقتصادي الذي بدأ يتراجع بصورة واضحة في المنطقة.
لكن السؤال الأكبر هو: هل يقود هذا التوزيع الجديد للأدوار إلى إعادة إنتاج الاستعمار بأدوات اقتصادية وطاقة جديدة، أم أن تناقض المصالح الأوروبية قد يفتح، في نهاية المطاف، نافذة جديدة أمام تصفية الاستعمار من الصحراء الغربية؟
إسبانيا.. الجغرافيا تفرض منطقها
تجد إسبانيا نفسها أمام حقيقة جيوسياسية لا يمكن تجاوزها: الجزائر هي أقرب مصدر كبير للطاقة إلى الأراضي الإسبانية، فيما يظل المغرب شريكاً جغرافياً وأمنياً واقتصادياً لا يمكن لمدريد تجاهله.
وقد أعادت مدريد، خلال سنة 2026، تنشيط شراكتها الاستراتيجية مع الجزائر في مجال الطاقة، مع بحث زيادة تدفقات الغاز وتعزيز التعاون في البنية التحتية ومصادر الطاقة الجديدة. وتأتي هذه الدينامية في سياق عودة العلاقات الإسبانية ـ الجزائرية إلى مسار التطبيع بعد أزمة سياسية عميقة اندلعت إثر التحول الإسباني في موقف الصحراء الغربية.

إن عودة الغاز إلى قلب العلاقات بين مدريد والجزائر ليست مجرد مسألة تجارية. فالطاقة، في عالم مضطرب، أصبحت جزءاً من الأمن القومي والسيادة الاستراتيجية. وبالنسبة لإسبانيا، فإن الحفاظ على تدفق الطاقة من الجزائر، مع تطوير علاقاتها بالمغرب، يفرض عليها انتهاج سياسة أكثر براغماتية وأقل اندفاعاً وراء الاصطفافات الأيديولوجية.

وهنا تظهر المفارقة: إسبانيا التي اتخذت سنة 2022 موقفاً منحازاً إلى الطرح المغربي، وجدت نفسها لاحقاً مضطرة إلى إعادة بناء الجسور مع الجزائر، لأن المصالح الاقتصادية والطاقة والجغرافيا فرضت منطقاً أكثر تعقيداً من منطق الاصطفاف السياسي.

فرنسا.. من القوة المهيمنة إلى البحث عن موقع جديد
أما فرنسا، فتواجه أزمة أعمق. فالمشروع الفرنسي التقليدي في إفريقيا والمغرب الكبير فقد الكثير من أدواته القديمة. النفوذ السياسي الذي كان يعتمد على شبكات تاريخية ومصالح اقتصادية وعلاقات أمنية لم يعد يضمن لباريس الموقع الذي كانت تتمتع به لعقود.
وفي الوقت الذي تراجعت فيه قدرة فرنسا على فرض أجندتها في عدد من دول إفريقيا، تحاول باريس تعويض جزء من هذا التراجع عبر تعزيز العلاقة مع المغرب. وقد بلغ هذا التحول ذروته عندما أعلنت فرنسا في 2024 دعمها للمقترح المغربي، ثم واصلت تطوير تعاونها الاقتصادي والسياسي مع الرباط.
غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة أن فرنسا استعادت نفوذها القديم. بل قد يكون، في جانب منه، محاولة لإعادة التموضع في منطقة أصبحت أكثر تنافسية، وتتحرك فيها قوى جديدة مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا وتركيا، فضلاً عن تنامي الدور الإقليمي للجزائر.
وبعبارة أخرى، فإن انتقال باريس إلى دعم الطرح المغربي قد يكون جزءاً من محاولة للحفاظ على موطئ قدم في المغرب الكبير، خصوصاً في مجالات البنية التحتية والطاقة والاستثمار.

الصحراء الغربية.. حين تتحول الجغرافيا إلى ورقة في حرب الطاقة
إن أخطر ما يميز المرحلة الحالية هو أن الصحراء الغربية لم تعد تُنظر إليها فقط باعتبارها قضية تصفية استعمار مؤجلة، بل أصبحت أيضاً فضاءً استراتيجياً للطاقة والنقل والموارد والاستثمارات.
فمشاريع الربط الكهربائي، والطاقة الشمسية والريحية، والهيدروجين الأخضر، والموانئ، والطرق التجارية، كلها تجعل من الصحراء الغربية منطقة ذات أهمية متزايدة بالنسبة إلى المشاريع الأوروبية المستقبلية.
وقد ظهرت مؤشرات على استعداد أطراف أوروبية للانخراط في مشاريع مرتبطة بالمجال الصحراوي، في وقت يظل فيه الوضع القانوني الدولي للإقليم محل نزاع، فيما تؤكد الأمم المتحدة استمرار البحث عن حل سياسي يضمن تسوية النزاع وفق القانون الدولي. 
كما أن الاتحاد الأوروبي حافظ رسمياً على ارتباطه بالمسار الأممي، حتى مع تطورات مواقفه السياسية تجاه مقترح الحكم الذاتي المغربي المتناقض مع القانون الدولي.
وهنا تبرز المفارقة الكبرى: كلما ازدادت أهمية الصحراء الغربية اقتصادياً وطاقياً، ازداد خطر تحويل القضية إلى مجرد ملف استثماري، يتم فيه التعامل مع الأرض والثروات قبل حسم وضعها السياسي والقانوني.
لكن المفارقة نفسها قد تحمل فرصة تاريخية.

تقاسم الأدوار الأوروبي.. أم صراع المصالح؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن إسبانيا وفرنسا تتحركان في الاتجاه نفسه تجاه المغرب. غير أن مصالحهما ليست متطابقة.
فرنسا تنظر إلى المنطقة من زاوية النفوذ السياسي والاستراتيجي واستعادة موقعها التاريخي.
أما إسبانيا، فتتحرك أساساً تحت ضغط الجغرافيا والطاقة والأمن والهجرة والتجارة.
باريس تستطيع اتخاذ مواقف سياسية أكثر حدة تجاه الجزائر، لأنها لا تعتمد عليها بالطريقة نفسها التي تعتمد بها إسبانيا على مصادر الطاقة القريبة. أما مدريد، فإنها لا تستطيع تجاهل الجزائر، مهما كانت طبيعة تحالفاتها مع الرباط.
ومن هنا يمكن الحديث عن تقاسم أدوار غير معلن: فرنسا تحاول إدارة الملف السياسي والاقتصادي من بوابة المغرب، بينما تحاول إسبانيا الحفاظ على توازن عملي بين الرباط والجزائر.

لكن هذا التوازن لن يكون سهلاً في ظل حرب الطاقة العالمية.
فأوروبا تحتاج إلى الجزائر في الغاز والهيدروجين، وتحتاج إلى المغرب في مشاريع الطاقات المتجددة والربط مع الأسواق الأوروبية، وتحتاج إلى إسبانيا باعتبارها بوابة جنوبية ومركزاً لوجستياً وطاقياً مهماً.
وهذا يعني أن أوروبا لن تستطيع، على المدى الطويل، إدارة المغرب الكبير بمنطق الاصطفاف الكامل مع طرف واحد.
تراجع المشروع الفرنسي.. هل يتحول إلى عامل لصالح القضية الصحراوية؟
قد يبدو هذا السؤال متناقضاً، لكنه يستحق النقاش.
فالمشروع الفرنسي في المنطقة قام تاريخياً على إدارة النفوذ أكثر مما قام على حل النزاعات. وكانت قضية الصحراء الغربية، بالنسبة إلى باريس، جزءاً من منظومة علاقات مع المغرب والجزائر وإفريقيا.
لكن تراجع القدرة الفرنسية على فرض أجندتها قد يؤدي إلى تراجع قدرة باريس على حماية بعض المقاربات التقليدية التي حالت طويلاً دون تطبيق كامل لمبدأ تصفية الاستعمار.
كما أن تعدد مراكز القرار داخل أوروبا، وتزايد أهمية الطاقة، وعودة الجزائر إلى موقع أكثر أهمية في المعادلة الأوروبية، كلها عوامل قد تجعل من الصعب استمرار احتكار طرف واحد لصياغة الموقف الأوروبي من المنطقة.
فإذا أصبحت المصالح الأوروبية موزعة بين الجزائر والمغرب، وإذا باتت الطاقة تفرض على إسبانيا وفرنسا وغيرهما البحث عن علاقات متوازنة، فإن القضية الصحراوية قد تتحول تدريجياً من ورقة في الصراع الفرنسي ـ المغربي إلى ملف دولي لا يمكن حسمه خارج القانون الدولي.

المعركة الحقيقية ليست فقط حول الغاز
المعركة المقبلة لن تكون حول الغاز وحده، بل حول من يملك القدرة على إنتاج الطاقة الجديدة، ومن يسيطر على طرق نقلها، ومن يتحكم في البنية التحتية التي ستربط إفريقيا بأوروبا.
وتشير التحليلات الحديثة إلى أن التحول الأخضر في المغرب الكبير قد يتحول إلى فرصة للتنمية، لكنه قد يعيد أيضاً إنتاج أشكال جديدة من الاستغلال إذا بقيت المنطقة مجرد مصدر للطاقة والمواد الأولية للأسواق الأوروبية.
وهنا تكمن أهمية الصحراء الغربية. فإذا تحولت أراضيها إلى منصة لإنتاج الطاقة وتصديرها دون احترام إرادة الشعب الصحراوي وحقه في تقرير المصير، فإن العالم سيكون أمام إعادة إنتاج للاستعمار، ولكن بأدوات خضراء وحديثة.
أما إذا فرض القانون الدولي نفسه، وأصبح أي استغلال للموارد مرتبطاً بموافقة الشعب الصحراوي ومشاركته، فإن الطاقة يمكن أن تتحول من أداة لإطالة أمد الاحتلال إلى عامل ضغط من أجل حل سياسي عادل.

الخلاصة: أوروبا أمام اختبار تاريخي
إن تقاسم الأدوار بين إسبانيا وفرنسا في المغرب الكبير لا يعني بالضرورة وجود خطة أوروبية موحدة، بقدر ما يعكس تداخل المصالح وتعدد الحسابات.
فرنسا تحاول تعويض تراجع مشروعها التاريخي في إفريقيا عبر توطيد علاقتها بالمغرب.
وإسبانيا تحاول حماية مصالحها الحيوية عبر إعادة بناء جسورها مع الجزائر، دون التخلي عن شراكتها مع الرباط.
أما أوروبا، فتحتاج إلى الطاقة والاستقرار والتعاون مع دول المغرب الكبير مجتمعة.
وفي هذا المشهد، قد يصبح من الصعب استمرار التعامل مع الصحراء الغربية باعتبارها مجرد ملف مؤجل أو ورقة في صفقات النفوذ.
فالتحولات الطاقية والجيوسياسية قد تفرض، عاجلاً أم آجلاً، إعادة طرح السؤال الأساسي: هل يمكن بناء شراكات أوروبية مستدامة في شمال إفريقيا فوق أرض ما زالت خاضعة لاحتلال، وشعب ما زال محروماً من حقه في تقرير المصير؟

إن نهاية الاستعمار من الصحراء الغربية لن تكون نتيجة صدقة سياسية من قوة استعمارية سابقة، ولا نتيجة صفقة بين عواصم أوروبية وإقليمية. لكنها قد تصبح، في ظل تغير موازين الطاقة والنفوذ، نتيجة طبيعية لتناقض المصالح الدولية مع استمرار الاحتلال.
وفي نهاية المطاف، قد يكون السؤال الحقيقي الذي ستفرضه حرب الطاقة على أوروبا هو: هل تريد القارة الأوروبية طاقة جديدة من منطقة قديمة الاستعمار، أم تريد شراكة جديدة مع شعوب حرة تملك حقها في تقرير مصيرها؟صغت المقال بنبرة تحليلية سياسية، ويمكن أيضاً تحويله إلى  بأسلوب افتتاحية سياسية، أو إلى نسخة أكثر حدة وجدلاً.مقال طويل جداً بمراجع وهوامش ومحاور جيوسياسية

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...