القائمة الرئيسية

الصفحات

تعليق على قصة "السالك النحار".




بسم الله الرحمن الرحيم.
تعليق على قصة "السالك النحار".
أولا: أحداث القصة
تدور احداث هذه القصة القصيرة حول بطل القصة السالك؛ شاب يافع يبلغ من العمر 18 سنة، شاب بسيط يعيش في مخيمات اللاجئين الصحراويين، يحاول أن يجد لنفسه طريقا شريفا للعمل ضمن واقع صعب ومعقد..
السالك من عائلة كلها احترفت مهنة نحر الإبل. وكانت تجربته الأولى في العمل ليلة اصطحابه من قبل أخيه الأكبر ليساعده في مهنة الجِزارة؛ ولكن كذلك ليدربه عليها. ومع أن تلك المهنة لا تروق له، لكن ما باليد حيلة كما يقولون.
في فجر تلك الليلة الباردة والمظلمة كما يصفها السالك، وصل هو وأخوه إلى حظيرة الإبل وأخرجا منها جَملا ثم ساقاه إلى مكان النحر، ولكن أخاه تركه مع الجمل في ذلك المكان وتوجه إلى نحّار آخر غير بعيد كي يطلب منه مساعدتهما. ومع أنه خَيَّر السالك في مرافقته أو المكوث، إلا أن السالك اختار المكوث بحجة أن النعاس لا زال ينال منه.
وفعلا؛ استسلم السالك لغفوة مباشرة بعد أن غادر أخوه، رغم برودة تلك الليلة، ولكن ما لبث رُغاء الجمل أن نَغَّص عليه تلك الغفوة، ومع ذلك أغمض النعاسُ عينيه من جديد؛ ليدخل في عالم آخر من الخيال والفانتازيا حيث تراءى له أنه بدأ يسمع وقعَ أقدام تقترب منه، وصليلَ سكاكين تُشحذُ من خلفه، وضرْبَ فأس في شيء ما!! فاقشعر بدنه و"أدرك" حينها أن "المكان" اشتركه معه كائن غير بشري، فنهض وركض مسرعا على خطى سيارة أخيه! وأثناء ذلك التفت خلفه ورأى "طفلا غير طبيعي" واقفا يُحَدّق فيه "بنظرات مخيفة" فيما الجمل يواصل رغاءه!! فاشتد خوفه وزادت سرعة رَكْضِه إلى أن وصل جماعة أخيه وهو "فاقد للوعي"!! فأخذوا يكوون أظافره لإزالة صدمة الخوف عنه.
وبحسب السالك (الراوي) فإن ذلك المكان الذي غفى فيه قد توقف فيه نحر الإبل منذ زمن، بحسب ما قيل له من "جماعة أخيه"، والسبب في ذلك أن طفلا كان يعاني صعوبة في المشي، وكان والداه يدربانه هناك لعله يستعيد مشيه، فلما كان له ذلك، عاد وحده إلى ذلك المكان وَوُجِد متوفيا هناك!! ومن وقتها تجنبه النحارون.
يقول السالك أن تلك الحادثة قطعت مباشرة علاقته بمحاولة تمهينه النحر على خطى عائلته، وقرر ركوب البحر مغامرا مهاجرا إلى خارج مخيمات اللاجئين الصحراويين، بحثا عن فرصة عمل أخرى أفضل، فوجد نفسه في غابة تحت سقف خيمة صغيرة، بلا أوراق تثبت هويته، يتحسر من شدة القلق والألم وفراق الأهل والأحبة؛ حائرا أمام مستقبل غامض وحتى من المجهول، كما أن الخوف والرعب الذي أصابه ليلة محاولة امتهانه النحر لا زال يتبعه كلما اغمض عينيه، حتى كأنه ترك جزءا من روحه هناك، كل ذلك رغم أنه غادر المخيم وهاجر، وأصبح البحر والمسافات البعيدة تفصله عن ذلك المكان إلا أن ذلك لم ينجه أبدا، فلا زال هناك جزء منه يتألم في كل مرة.

ثانيا: متن القصة
القصة تتطرق لمعضلة إنسانية، اجتماعية وسياسية يعاني منها الشعب الصحراوي عموما بمخيمات اللاجئين الصحراويين والشباب الصحراوي على وجه الخصوص. هذه المعضلة هي هاجس البحث عن مصدر رزق شريف يساهم في صمود العائلة الصحراوية ويصون كرامتها.
 تقدم لنا الكاتبة الشابة "نجمة محمد فاضل"؛ قصة مشوقة جمعت بين الواقعية والفانتازيا، وجمعت بين الحاضر القاسي والمخيف والمستقبل الغامض والمجهول، وجمعت بين الطموح المفرط والضياع الفادح؛ وجمعت بين الأمل والانكسار، وجمعت بين الاغتراب والغُربة، وجمعت بين المباح والمحرم. قصة قد تكون مرآة لما يعانيه بعض شبابنا اليوم من تشتت ذهني وسلوكي بسبب العوز وإغراءات المحيط ولكن كذلك بسبب التفريط والوضعية السياسية العامة.
القصة كلاسيكية سردية من حيث الشكل، بها مقدمة يحكي فيها بطل القصة الشاب "السالك" عن نفسه: عمره 18 سنة، لديه اخوة يعملون بجد (ما يعني أنه يحكم على نفسه بأنه غير جاد أو كسول)، نفهم ذلك أيضا من أنه في ليلة ما من ليالي سنة 2015 كان مستلقيا في بيت ينتظر أن تقدم له والدته كأسا من الشاي!! وعبارة "الاستلقاء" في حد ذاتها يمكن أن توحي بالكسل خصوصا أنه شاب ومع ذالك لم يكلف نفسه اعداد الشاي لوالدته!! فالموروث الثقافي الإسلامي عندنا يوجب أن يتكفل الأبناء البالغين بمرافقة الوالدين وخدمتهما. و"الاستلقاء" في هذه الحالة يمكن أن نفهم منه أيضا أنه لم يكلف نفسه عناء البحث عن العمل، أو لا يبالي بذلك، أو بمعنى آخر أنه غير جدي، أو هو مدلل.
أما عقدة القصة فتبدأ متدرجة في التعقيد من لحظة دخول أخ السالك عليه وهو مستلق ينتظر أن تقدم له والدته كأس الشاي، حيث أمره: " استعد الليلة، فستخرج معي إلى المنحر". وهذه الجملة توحي أن السالك ربما تفاجأ من هذا الأمر الذي يبدو أنه تقبله رغم عدم رضاه، والقبول في هذه الحالة نفهم منه أن الأمر جاء من سلطة أعلى؛ وهي سلطة الأخ الذي يظهر أنه كان أكبر سنا من السالك "المدلل"، فهو لا يبالي، وأمه تعد له الشاي!! ولو لم يكن أكبر منه سنا ما تقبل منه "فكرة" غير راض عنها أصلا.
وقبول فكرة النحر رغم عدم رضا السالك عنها سيعقد المشهد لاحقا، اذ لم يستطع النوم في تلك الليلة، إذ تضاربت مشاعره بين الاحساس بالحماس المفروض والقلق وكذلك الخوف ربما من خوض هذه التجربة. غير العقدة تكبر وتزيد حينما غفى السالك في مكان النحر، حيث تعقدت الأمور أكثر حتى أن الواقع والخيال الفانتازي اختلطا عليه، فجسده شبه نائم وعيناه مغمضتان ومع ذلك فهو يتخيل سماع وقع الأقدام وصليل السكاكين وضربات الفأس؛ كل ذلك يختلط برغاء الجمل؛ فنهض مفزوعا حتى أنه تيقن أن كائنا غير بشري اشترك معه المكان!! 
لكن الأمر لم يقف هنا، بل زادت حدة العقدة وحبكتها حتى وصلت ذروتها، عندما بدأ السالك يركض مفزوعا من هول ما سمع؛ حيث "التفت خلفه"، و"تراءى" له في تلك اللحظة طفل واقف يحدق فيه بنظرات مخيفة، ورغاء الجمل يزداد حدة فيما صوت سيارة أخيه لايزال بعيدا!!
وفي الأنثروبولوجيا الصحراوية يُنهى المسافر ليلا عادة عن الالتفات إلى الوراء، ونجد ذلك كذلك مقتبسا من ديننا الإسلامي الحنيف في قصة هود عليه السلام الآية 81: "فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَد". وفي سورة الحجر، الآية 65: "فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ".
وأعتقد ان الكاتبة وُفِّقت تماما في استدعاء هذا الموروث، بشكل مكَّنها من توظيف اعتباري للسيمائية والرمزية في أغلب حيثيات هذه القصة.
أما الصوت في موروثنا، فهناك مثل شائع يقول: "الكلب اعشي والضوء امشي"، وبالنظر إلى خوف السالك وهلعه فقد سمع صوت سيارة أخيه، ما يدل انها ليست بعيدة وإلا ما كان سمع صوتها، لكنه يقول أن ذلك الصوت لايزال بعيدا!! وهذا التناقض مع ماهو معروف في ثقافتنا يمكن أن نعزيه إلى شدة الخوف من ذلك الصبي/الشبح من جهة ومن تلك الأصوات الغريبة التي سمعها قبل ذلك من جهة ثانية. 
يلتحق السالك بأخيه أخيرا فيفقد الوعي، ويقوم أخوه بعلاجه من خلال كي أظافره، وهذا كذلك توظيف جيد للموروث الثقافي الصحراوي الطبي.
الكي في حد ذاته رمزية موفقة لخطورة الوضع الذي لحق بالسالك، وهو الطريقة الصحيحة التي يجب من خلالها علاجه حتى يسترجع جسمه كامل وعيه وإدراكه. 
إذا؛ يمكن أن نلاحظ أن قمة عقدة القصة كانت تلاقحا بيّناً بين الحقيقة/الموروث، والخيال/الفانتازيا، وهو تلاقح نموذجي يعطي للقصة أبعادا أُخرى فلسفية وأدبية لا يسعنا التطرق لها هنا في هذه العجالة.
وبالطبع يظهر الانسجام كاملا بين العلاج الذي أُعطي للسالك وهو الكي: آخر الدواء الكي، وبين فك عقدة القصة/حلها، ويظهر أن بطل القصة حين كيّه تماثل للوعي والشفاء واسترجعت حواسه طبيعتها فاستمع إلى قصة الطفل الذي مات في مكان النحر، وأدرك أن النَّحَّارين من حينها قرروا التوقف عن النحر في ذلك المكان، لأنه "مسكون"، ما يوحي أيضا باستخدام المعتقد الخرافي وتوظيفه من باب أنه يمثل رمزية متأصلة في المجتمع الصحراوي وبالخصوص لدى دائرة النحارين المرتبطين أصلا بالإبل وبالدماء، وهو أيضا جزء من حل تعقد القصة في حد ذاتها.
وجزء آخر من حل عقدة القصة هو ما نستنبطه من بعد كي السالك/علاجه، حيث قرر ألا يزاول مطلقا حرفة عائلته (وهي النحر) التي أُجبر عليها، وفي هذا يكون السالك حرر نفسه من بعض القيم الموروثة عائليا، كاحترام الصغير للكبير والامتثال لرأيه أو أموامره. السالك تحلل من ذلك الآن وكأنه يقول لنا أن ذلك الزمن قد انتهى والأجيال الجديدة (الحاضر) لديها نظرة أخرى للحياة وللمستقبل، ولا تحتاج إلى أحد (الماضي) ان يحدد أو يفرض عليها خيارات أو أساليب حياة أخرى قديمة..
يعطي السالك نموذجا لتلك النظرة الجديدة وهي الهروب "غير الشرعي" من هذا الواقع المؤلم الذي تنغرس فيه المخيمات؛ فيعبر البحر مخاطرا بحياته بحثا عن ملاذ جديد آمن يضمن له العمل الشريف والكرامة، وتجربة ذاتية مستقلة لم يستأذن فيه الأهل (الماضي)؛ ولكن في النهاية يصطدم بواقع آخر غير الذي كان يحلم به، ليجد نفسه في غابة (رمزية للحياة الوحشية) يبحث عن أي فرصة عمل (دلالة على أنه لم يجد عملا بعد)، فلم يجدها، إنه تائه وتعيس؛ رفض الماضي المثقل وتحلل منه، فهرب منه إلى مستقبل مجهول لم يستوعبه ولم يتقبله، فحكم على نفسه باغتيالها: "تنحر الغربة شبابنا" و"تذبح المسافات طموحاتنا".
هذه هي قمة المحنة والعزلة والوجع والتعاسة. هذه حال بطل القصة السالك، وهي تعبير صادق عن أحوال آلاف الشبان الصحراويين اليوم في ظل هذا الوضع المأزوم سياسيا والمنكسر نفسيا، يغطي بظلاله على شبابنا الذين يبحثون عن عمل شريف أو مهنة تؤهلهم أمام صعوبات حياة المخيم واللجوء القاسية؛ فينكسر فيهم الأمل وينفصلون عن جذورهم رافضين التشبث بالماضي، منعزلين في الحاضر، ومنبهرين من مستقبل غامض، فيتحولون إلى غرباء سواء بين ظهرأن شعبهم أو سواء غادروه.. 
حمدي الحافظ.

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...