بعد أشهر طويلة من الاحتجاز داخل معتقل أكدز السري، لم يكن المعتقلون الصحراويون يعلمون ما الذي ينتظرهم. فقد اعتادوا على الغموض، وعلى أن كل حركة للحراس أو فتحٍ مفاجئ لأبواب الزنازين قد تعني بداية مرحلة جديدة من المعاناة، أو نقلًا إلى مكان آخر لا يقل قسوة.
وفي شهادته ضمن سلسلة "ناجون من الموت"، يروي المختطف الصحراوي السابق ومعتقل الرأي الراحل بشرايا أبا حازم أن مجموعة من المعتقلين نُقلت لاحقًا إلى معتقل قلعة مكونة، بعد أن أصبح معتقل أكدز محطة أولى يمر بها المختطفون الصحراويون قبل توزيعهم على مراكز احتجاز مغربية سرية أخرى.
رحلة مجهولة نحو معتقل جديد
يقول بشرايا أبا حازم إن عملية النقل تمت بالطريقة نفسها التي اعتادها المعتقلون منذ اختطافهم؛ أعين معصوبة، وأيدٍ مكبلة، وحراسة مشددة، دون أن يعرفوا وجهتهم أو سبب نقلهم.
كان الصمت يلف الرحلة، فيما كانت الأسئلة تتزاحم في أذهان المعتقلين: هل هو نقل إلى سجن آخر؟ أم إلى مكان الإعدام؟ أم أن الإفراج بات قريبًا؟ ولم يكن أحد يملك جوابًا.
وبحسب روايته، فإن سياسة الغموض كانت جزءًا من أساليب الضغط النفسي، الذي اعتمدها الاحتلال المغربي في حق المختطفين الصحراويين إذ ظل المعتقلون يعيشون على وقع المجهول، حتى في أثناء تنقلهم بين المعتقلات السرية.
قلعة مكونة... استمرار للمعاناة
لم يكن الوصول إلى قلعة مكونة نهاية للعذاب، بل بداية مرحلة جديدة من سنوات الاختفاء القسري.
ويؤكد بشرايا أن ظروف الاحتجاز بقيت قاسية، واستمرت معاناة المعتقلين من ضيق الزنازين، وسوء التغذية، والحرمان من العلاج، والانقطاع الكامل عن العالم الخارجي.
ولم يكن أي من المعتقلين يعرف المدة التي سيقضيها داخل ذلك المعتقل، كما لم يكن يسمح لهم بالتواصل مع عائلاتهم أو معرفة ما يجري خارج الأسوار.
وأصبح الزمن، كما يصفه، بلا معنى، فلا تواريخ، ولا تقويم، ولا أخبار، ولا شيء يربط المعتقل بالحياة التي تركها خلفه.
المرض... السجين الدائم
داخل قلعة مكونة، بدأت آثار سنوات التعذيب والتجويع تظهر بصورة أوضح على أجساد المعتقلين.
فقد انتشرت الأمراض نتيجة سوء التغذية وغياب الرعاية الصحية، وأصبح كثير من المعتقلين يعانون من الضعف الشديد، فيما فقد آخرون القدرة على الحركة بسبب ما تعرضوا له من تعذيب وإهمال.
ويؤكد بشرايا أن المرض لم يكن يعني الحصول على العلاج، بل كان غالبًا بداية لمعاناة جديدة، حيث كان المعتقلون يواجهون آلامهم بإمكاناتهم المحدودة، معتمدين على تضامن رفاقهم داخل الزنازين.
التضامن... طريق النجاة
وسط تلك الظروف، برزت روح التضامن بين المعتقلين باعتبارها أحد أهم عوامل الصمود.
ويقول بشرايا إن المعتقلين كانوا يقتسمون كل شيء، الطعام القليل، والماء، وحتى الكلمات التي تمنح الأمل.
وكان من يستطيع الوقوف يساعد من أقعده المرض، ومن يملك شيئًا من القوة يساند من أنهكه الجوع، في صورة تعكس تماسكًا إنسانيًا كبيرًا رغم محاولات كسر إرادتهم.
ويضيف أن هذا التضامن خفف من قسوة الحياة اليومية، ورسخ شعورًا بأنهم يخوضون معركة جماعية من أجل البقاء.
الإيمان... قوة في مواجهة العزلة
يستحضر بشرايا أبا حازم الدور الذي لعبه الإيمان في حياة المعتقلين، مؤكدًا أن التمسك بالقيم الدينية والوطنية منحهم قدرة على مقاومة اليأس.
ففي ظل غياب كل شيء، بقيت الصلاة والدعاء والصبر مصدرًا للقوة النفسية، وساعدت كثيرًا من المعتقلين على تجاوز لحظات الانكسار.
كما شكلت الأحاديث الهادئة بين المعتقلين، واستحضارهم لعائلاتهم وما يتعرض له وطنهم من اطماع توسعية وغزو عسكري، وسيلة للحفاظ على توازنهم النفسي في مواجهة سنوات العزلة الطويلة.
سنوات لا تُقاس بالزمن
لم تعد السنوات داخل قلعة مكونة تُقاس بالأيام أو الأشهر، بل بعدد الرفاق الذين أنهكهم المرض، وبعدد الوجوه التي غابت، وبحجم الصبر الذي احتاجه كل معتقل ليواصل الحياة.
ويؤكد بشرايا أن أقسى ما في الاختفاء القسري لم يكن فقط فقدان الحرية، بل الشعور بأن العالم في الخارج لا يعلم إن كانوا ما يزالون أحياء.
ومع ذلك، بقي الأمل حاضرًا في نفوس المعتقلين الصحراويين، وكانوا يرددون فيما بينهم أن الحقيقة لا يمكن أن تبقى مخفية إلى الأبد، وأن يومًا سيأتي يعرف فيه العالم ما جرى خلف جدران المعتقلات السرية.
من الصمت إلى الشهادة
بعد الإفراج عنه، حمل بشرايا أبا حازم على عاتقه مسؤولية توثيق تلك السنوات، معتبرًا أن الشهادة ليست مجرد استعادة لذكريات مؤلمة، بل واجب أخلاقي تجاه من رحلوا داخل المعتقلات، وتجاه الأجيال التي لم تعش تلك المرحلة.
وتبقى شهادته، إلى جانب شهادات عشرات الناجين، جزءًا من الذاكرة الوطنية الصحراوية، توثق معاناة المختفين قسرًا، وتمنح أسماءهم وقصصهم مكانها في التاريخ.
في الحلقة السادسة من سلسلة "شهادات من الجحيم"، نتوقف عند لحظة انكشاف مصير المختفين سنة 1991، وكيف استقبلت العائلات الصحراوية أبناءها بعد سنوات طويلة من الغياب، وما الذي بقي من آثار تلك التجربة في حياة الناجين وأسرهم.
