بعد أكثر من أربعين يوماً من الإضراب المفتوح عن الطعام، وبعد أن بلغ المعتقل السياسي الصحراوي النعمة أسفاري يومه الثالث والأربعين من معركة الأمعاء الخاوية، خرجت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان لتعلن «قلقها» بشأن وضعه، في وقت يطرح فيه هذا الإعلان المتأخر أسئلة محرجة حول جدوى البيانات الحقوقية عندما تكون حياة المعتقلين السياسيين الصحراويين المضربين عن الطعام داخل سجون الاحتلال المغربي، معلقة بين الاستجابة لمطالبه أو الدخول في مرحلة قد يصبح فيها إنقاذه أمراً بالغ الصعوبة.
فأسفاري لم يدخل إضرابه أمس، ولم تبدأ معاناته مع هذا الإضراب. الرجل يقضي أكثر من ثلاثة عشر عاماً خلف القضبان، محروم من زيارة زوجته منذ ثماني سنوات، ومعتقل على خلفية ملف أكديم إزيك، الذي قالت هيئات أممية إن اعتقال المعتقلين فيه تعسفي، كما أثارت تقارير وشهادات حقوقية مسألة التعذيب وانتزاع الاعترافات تحت الإكراه.
ومع ذلك، احتاج الأمر إلى 43 يوماً من الإضراب المفتوح عن الطعام حتى تتحول قضية المعتقل السياسي الصحراوي النعمة أسفاري إلى مصدر «قلق» معلن لدى إحدى أبرز الجمعيات الحقوقية في المغرب.
رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، سعاد البراهمة، نفت أن تكون الجمعية قد التزمت الصمت، وقالت إن الجمعية سبق أن طالبت بفتح حوار مع أسفاري وجددت مطالبتها بالإفراج عنه. كما ذكّرت ببيان صادر في 20 مايو، أعلنت فيه الجمعية تضامنها معه، وبمواقف سابقة طالبت بالإفراج عنه وعن باقي معتقلي مجموعة أكديم إزيك.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس ما إذا كانت الجمعية قد أصدرت بياناً أم لا، بل: ماذا فعلت هذه البيانات طوال هذه الأسابيع؟
هل فتحت سلطات الاحتلال المغربية حواراً مع أسفاري؟ هل تم تمكينه من التواصل مع أسرته؟ هل توقفت الإجراءات التعسفية والعقابية وحرمانه من أبسط حقوقه التي دفعت به إلى خوض إضراب يهدد حياته؟ هل استجاب أحد لمطالبه؟
الجواب، وفق المعطيات المتاحة، هو أن الإضراب مستمر، وأن المعتقل لا يزال يخوض معركته، وأن مطالبه لم تجد طريقها إلى الحل.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة. فالجمعية تقول إنها «لم تصمت»، لكن المعتقل يواصل إضرابه منذ أكثر من أربعين يوماً. وبين «البيان» و«الواقع» مسافة طويلة، قد تكون هذه المرة الفاصلة بين الحياة والموت.
لقد اعتاد الرأي العام، في قضايا الاعتقال السياسي بالمغرب، على بيانات التضامن والتنديد والقلق. لكن النعمة أسفاري لا يحتاج اليوم إلى مزيد من العبارات المنمقة، ولا إلى تضامن رمزي يضاف إلى أرشيف البيانات. إنه يحتاج إلى تدخل عاجل، وإلى حوار مباشر، وإلى ضمانات حقيقية، وإلى وضع حد لمعاناة سياسية وإنسانية مستمرة منذ سنوات.
والأكثر إثارة للقلق أن الجمعية نفسها تؤكد أن أسفاري معتقل بسبب نشاطه كمدافع عن حقوق الإنسان، وأن فريق الأمم المتحدة المعني بالاعتقال التعسفي سبق أن اعترف بالطابع التعسفي لاعتقاله. كما أن رئيسة الجمعية كشفت أنها سبق أن رفعت دعوى قضائية لتمكين زوجته من زيارته، لكنها قوبلت بالرفض، كما تم منع قافلة دولية من برلمانيين وأطباء ونشطاء ومدافعين عن حقوق الإنسان من دخول المغرب للتضامن معه.
إذا كانت السلطات المغربية ترفض حتى السماح لزوجته بزيارته، وتمنع قافلة حقوقية دولية من الوصول إليه، ثم تتركه يخوض إضراباً مفتوحاً عن الطعام لأكثر من أربعين يوماً، فإن السؤال لا يعود متعلقاً فقط بمسؤولية السلطات، بل يمتد أيضاً إلى مسؤولية كل الهيئات التي تقول إنها تتابع قضيته.
فمتى يتحول القلق إلى فعل؟ ومتى تصبح البيانات غير كافية؟
إن حياة النعمة أسفاري ليست مادة لتسجيل المواقف، ولا مناسبة لإصدار بيان جديد كلما اقترب الخطر من نقطة اللاعودة. لقد مر 43 يوماً، وهي مدة كافية لكي يدرك الجميع أن القضية دخلت مرحلة الطوارئ، وأن استمرار الصمت العملي قد يجعل أي تحرك لاحق متأخراً.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه سعاد البراهمة أن الجمعية ستواصل المطالبة بفتح حوار مع المعتقل والاستجابة لمطالبه، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً قائماً:
كم يوماً إضافياً يحتاجه هذا الحوار حتى يبدأ؟ وكم من الوقت يمكن أن يتحمل جسد معتقل أنهكه 13 عاماً من السجن و43 يوماً من الإضراب؟
النعمة أسفاري لا يحتاج إلى إعلان جديد عن القلق. يحتاج إلى إنقاذ حياته الآن، وفتح حوار جدي معه الآن، وإنهاء اعتقاله السياسي الآن.
أما انتظار اللحظة التي يصبح فيها خبر وفاته هو الذي يستدعي بيانات التضامن، فسيكون حينها قد فات الأوان على الجميع.
