القائمة الرئيسية

الصفحات

الحلقة (3): الكاميرا التي فضحت السجن الأكحل



رأى محمد بلا، وهو أحد رفاقنا المسؤولين في اللجنة الإعلامية، أن يُهرِّب كاميرا صغيرة إلى داخل السجن، من أجل جمع المعلومات المتعلقة بالمآسي والخروقات الحاصلة في واقعنا الجديد. وفكر في أن يرصد قضايا بعينها، وأن يُعدَّ ريبورتاجات عنها، ليتم في وقت لاحق إعداد تقارير تُذاع أو تُنشر في وسائل الإعلام، في وقت لا يكون فيه ذلك خطرًا عليه وعلى مكاسب المجموعة ككل.

ولأنه كان يحق له، حسب تنظيمنا الداخلي، أن يبقى على اتصال دائم بجهات خارج السجن، فقد وقع اختياره على أن يُخبر الناشط الحقوقي إبراهيم دحان “بگنا” بما يجول في خاطره.

استحسن إبراهيم دحان الفكرة، وحوَّلها إلى مشروع حقيقي، فعمل على تأمين كاميرا صغيرة تتضمن بطاقة ذاكرة (Memory Card) ذات سعة تخزينية جيدة، وسلَّمها إلى أخت محمد بلا، التي عملت على إدخالها إلى السجن في ظروف معقدة.

وبمجرد وصولها، باشر محمد بلا، وعدد محدود من المعتقلين السياسيين الذين كانوا يعلمون بوجود الكاميرا أصلًا، بالتقاط الصور ومقاطع الفيديو التي توثق الحالة الكارثية للسجن.

في البداية، كانوا يركزون على أشياء تبدو بسيطة، مثل تصوير ساحة السجن عن بُعد، وفي غفلة من الجميع، وتوثيق الأعداد الهائلة من السجناء المزدحمين والمستلقين تحت أشعة الشمس، تحيط بهم الأزبال والأفرشة المتعفنة المبعثرة.

ثم تطور عملهم حتى شمل عنابر السجن الأخرى، وقد تأتى لهم ذلك من خلال دفع مبالغ مالية معينة لذوي النفوذ في كل زنزانة على حدة.

وبعد أن فرغت بطارية الكاميرا، عمل محمد بلا على إخراجها وإيصالها إلى إبراهيم دحان.

وكان الاتفاق بينهما يقضي بعدم نشر أي شيء من الصور، وذلك مراعاةً لحساسية وضعنا داخل السجن، وحفاظًا على مكاسب المجموعة، فضلًا عن أن محمد بلا كان، قبل اعتقاله بحوالي شهر، قد أنشأ، عن طريق الناشط الحقوقي إبراهيم الصبار رحمه الله، علاقة مع صحفي من إقليم الباسك يعمل في جريدة ABC الإسبانية، اسمه Luis de Vega. وكان هذا الصحفي قد زار العيون المحتلة برفقة صحفية أخرى تُدعى Carla Fibla، تعمل في جريدة La Vanguardia، والتقى بهما محمد بلا بالفعل في منزل إبراهيم النومرية، إبان إعدادهما تقريرًا عن الوضع الحقوقي في ظل الانتفاضة.

وبناءً على تلك العلاقة، رأى محمد بلا أنه من المهم التكتم على ما تم تصويره داخل السجن إلى أن تحين الساعة المناسبة، ثم إعداد تحقيق صحفي بالاشتراك مع الصحفيين المذكورين. وقد أكد ذلك لإبراهيم دحان، وعلى هذا الأساس تم الاتفاق.

وبعد أيام معدودة، جاء إبراهيم دحان بالكاميرا من جديد، وسلَّمها إلى أخت محمد بلا، ثم طلب منها إدخالها إليه داخل السجن من أجل التقاط صور ومقاطع فيديو أكثر.

وفي الظروف المعقدة نفسها، وصلت الكاميرا إلى محمد بلا. وفي اليوم نفسه، على الساعة العاشرة والنصف مساءً، تفاجأنا جميعًا بتصريح مصور لوكيل الملك، نقلته قناة العيون الجهوية في نشرتها الرئيسية، يقول فيه:

“إن الصور التي تم نشرها من داخل المؤسسة السجنية بمدينة العيون هي صور مفبركة وغير حقيقية، والذي قام بإدخالها هو أحد المعتقلين على خلفية أحداث العيون عن طريق أحد أفراد عائلته.”

سقط في أيدينا ونحن نشاهد الخبر، وعلمنا أن ثلاث عشرة صورة، من أصل أكثر من مائة صورة ومقطع فيديو التُقطت داخل السجن، قد سُرِّبت إلى الصحافة، وتسببت في زلزال هز وزارة العدل المغربية، بحكم أنها كانت، آنذاك، الجهة المشرفة على إدارة السجون.

ولم تكد تمر ساعة على بث الخبر، حتى جاء عدد من حراس السجن إلى زنزانتنا يطلبون محمد بلا بالاسم. وعندما سألنا عن السبب، قيل لنا إن وكيل الملك جاء شخصيًا، وهو في انتظاره بالإدارة، من أجل الحديث معه بشأن إمكانية إطلاق سراحه.

وأدركنا فورًا أن الأمر مرتبط بالكاميرا والصور المسربة، فحسم محمد بلا الجدل بقوله لمن جاء يطلبه:

“لدينا لجنة خاصة بالتفاوض مع إدارة السجن، وأنا، على أي حال، لست أحد أعضائها.”

أثارت هذه الحادثة، وما تزال، الكثير من التساؤلات، من بينها:

* كيف عرف وكيل الملك أن الذي أدخل الكاميرا إلى السجن وصوَّر ما فيه من فظاعات هو أحد أفراد مجموعتنا، وأنه محمد بلا تحديدًا؟

مع العلم أن السواد الأعظم من المجموعة لم يكن يعلم بوجود الكاميرا، وإن علم بها، فإنه لم يكن يدري من أدخلها ولا كيف.

ولو افترضنا، جدلًا، أن أحد السجناء الجنائيين قد وشى بنا بعد أن تعاون معنا في تصوير العنابر، فكيف له أن يعرف محمد بلا تحديدًا؟ ذلك أن الذي كان يحمل الكاميرا، ويتولى مهمة التفاوض مع السجناء الجنائيين، هو المحجوب شتيوي، وليس محمد بلا. ومن باب أولى، لو كانت هناك وشاية، أن يُتَّهم المحجوب شتيوي، لا محمد بلا.

ومن جملة ما يثير التساؤل أيضًا، أن إبراهيم دحان كان قد قطع على نفسه عهدًا أمام محمد بلا بعدم نشر أي صورة من المادة المصورة، ومع ذلك نُشر جزء منها، بينما اختفى الجزء الأكبر، وهو الأكثر عددًا والأشد فظاعة، إلى يوم الناس هذا.

وانصبَّ اهتمامنا بعد ذلك على كيفية إخراج الكاميرا قبل أن تُشرع إدارة السجن في تفتيش الزنازين. وقد أشار حسنة المكي إلى أن تُسلَّم الكاميرا إلى سجين صحراوي محكوم بالمؤبد، اسمه أبا الأنصاري، المعروف بلقب ولد ننة.

وهذا ما حصل بالفعل، بعد أن نقلها إليه سجين جنائي يُدعى الصالح الفقراوي، فأوصلها إلى ولد ننة، الذي خاطر بنفسه وأخرجها، بطريقة ما، إلى ما وراء الأسوار والأبواب الموصدة.

وبذلك نكون قد محونا أهم دليل إدانة كان يمكن أن يقود إليهم، أو يقودهم إلينا.
يتبع…
الولي الشيخ اميدان 

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...