بقلم : محمد مولود مولاي لحسن.
علمت بتشكيل اللجنة الوطنية للإدارة، ومنه وفي هذه الأيام المباركة أترحم على الشهيد الدد محمد امبارك رحمه الله، وعلى جميع الشهداء الذين آمنوا بأن بناء الدولة لا يكون بالبندقية وحدها، بل بإدارة عادلة تحفظ كرامة المواطن وتصون هيبة المؤسسات.
وربما سيكون من المفيد للقائمين اليوم على هذا المجال أن يعودوا إلى الندوة الوطنية للإدارة سنة 1981، ففي تلك المرحلة كانت الإدارة تُفهم باعتبارها مدرسة لتكوين الإنسان قبل أن تكون مجرد مكاتب وأختام ووثائق. كانت الإدارة آنذاك مشروع دولة، لا وسيلة نفوذ، وكانت المسؤولية تكليفا ثقيلا لا امتيازا عابرا.
كما أن العودة إلى الإجراءات والضوابط الإدارية الصادرة عن أمانة المكتب السياسي سنة 1985 أصبحت ضرورة أكثر من أي وقت مضى، لأنها ضوابط لم تكن غامضة ولا ناقصة حتى يعاد تفسيرها كل مرة، بل هي ضوابط مفصول فيها منذ سنوات طويلة، والمطلوب اليوم ليس إعادة قراءتها داخل القاعات والمكاتب، وإنما الفصل الحقيقي في تطبيقها على أرض الواقع، بعدالة وصرامة ودون انتقائية.
الإدارة التي خرجت آلاف الشباب والشابات من معاهدها بالجزائر، هي نفسها التي أصبحت مع مرور الزمن أشبه بميراث يتناقله البعض، حتى غابت الكفاءة أمام العلاقات، وتراجع التكوين أمام منطق الولاءات. والغريب أن خريجي الإعلام الآلي كثر، والتقنيات الحديثة أصبحت في متناول الجميع، لكن المستندات مازالت تكتب بالقلم الجاف، وبخط لا يمكن قراءته حتى بالذكاء الاصطناعي.
هي إدارة تطلب من المواطن كل سنة أن يعيد كتابة تاريخ انتسابه للمؤسسة، وأن يجدد ملفه الشخصي وكأن الأرشيف لا وجود له، وكأن السنوات الطويلة من الخدمة لم تترك أثرا في ذاكرة المؤسسة. إدارة ترهق المواطن بالوثائق نفسها، وتستهلك وقته وكرامته في طوابير لا تنتهي.
وهي أيضا الإدارة التي تفحل فيها الفساد حتى تحولت بعض المكاتب فيها من مؤسسات للضبط والتنظيم إلى محلات لبيع المستندات، تُقضى فيها المصالح بالمجاملة أحيانا، وبالوساطات أحيانا أخرى، بينما يبقى المواطن البسيط يدور في الحلقة نفسها باحثا عن توقيع أو ختم أو ورقة لا تستحق كل هذا العناء.
إن الحديث عن الإدارة ليس ترفا فكريا، بل حديث عن صورة الدولة في عيون الناس. فالدولة التي لا تمتلك إدارة محترمة، شفافة وعصرية، ستظل عاجزة عن تحقيق العدالة مهما رفعت من شعارات. والإصلاح الحقيقي يبدأ حين تستعيد الإدارة معناها الأخلاقي والوطني، وحين يصبح الموظف في خدمة المواطن لا العكس.
فالندوة الوطنية للإدارة سنة 1981 لم تكن مجرد حدث عابر، بل كانت محاولة لصناعة إدارة تؤمن بالكفاءة والانضباط وروح المسؤولية، كما أن ضوابط 1985 لم توضع للزينة ولا للحفظ داخل الأدراج، بل لتكون مرجعا حقيقيا يضبط العمل الإداري ويحمي المؤسسات من العبث. ولذلك فإن الأزمة اليوم ليست أزمة نصوص، بل أزمة إرادة في التطبيق، لأن القوانين حين تبقى حبرا على ورق، تتحول الإدارة من أداة بناء إلى عبء يثقل كاهل المواطن والدولة معا.
