في سياق تتداخل فيه الأبعاد الاجتماعية بالاعتبارات السياسية، تطرحُ الهجرة غير الشرعية من المغرب نحو السواحل الإسبانية تساؤلات متزايدة حول طبيعة العوامل المحركة لها، وحدود ارتباطها بالأوضاع الداخلية أو بتوظيفات سياسية محتملة في العلاقة مع أوروبا، خاصة إسبانيا.
وفي هذا الإطار، أفاد المحلّل السياسي، أيوب عرفي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، بأن الهجرة غير الشرعية لم تعد مجرد نتيجة اجتماعية، بل أصبحت انعكاساً لاختيارات سياسية في تدبير ملف الهجرة والعلاقات الخارجية بالنسبة لسلطة المخزن، مشيراً إلى أن تزامن بعض موجاتها مع أزمات دبلوماسية، من بينها أحداث سبتة سنة 2021، يثير تساؤلات حول طبيعة هذا التسيير وحدود طابعه السياسي.
من جانبه، اعتبر الكاتب والإعلامي الصحراوي، حمة المهدي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن ملف الهجرة تحول تدريجياً إلى ورقة ضغط سياسي في يد الرباط في علاقتها مع أوروبا، مبرزاً أنه يُستثمر إلى جانب ملفات أخرى لتعزيز موقع تفاوضي مع الاتحاد الأوروبي، في إطار منطق “المقايضة السياسية” الذي يطبع هذه العلاقة.
وفي هذا الصدد، أفاد الأستاذ عرفي بأن الهجرة غير النظامية من المغرب نحو إسبانيا لم تعد نتيجة طبيعية للفقر أو البطالة أو انسداد الأفق الاجتماعي، بل أصبحت انعكاسا مباشرا لاختيارات سياسية واضحة في طريقة تدبير سلطة المخزن لملف الحدود والعلاقات الخارجية.
ملف تحكمه الحسابات السياسية المتقلبة
وأبرز المتحدث أن استمرار تدفقات المهاجرين نحو السواحل الإسبانية بهذا الشكل المتقلب لا يمكن فصله عن غياب سياسة عمومية شفافة ومستقرة، وعن اعتماد مقاربة تقوم على تدبير الظرف بدل معالجة الأسباب الحقيقية للأزمة.
وأوضح أن السلطات المغربية، بدل التوجه نحو بناء حلول اقتصادية واجتماعية حقيقية، ظلت تعتمد على منطق أمني وإداري قصير المدى، تتغير حدته واتجاهاته تبعا للسياق السياسي والدبلوماسي.
وأشار إلى أن أحداث أزمة سبتة سنة 2021 تُعد نموذجا واضحا لهذا الخلل، بعدما تحولت المدينة، في لحظة توتر سياسي مع إسبانيا، إلى نقطة ضغط بشري غير مسبوقة، معتبرا أن ما حدث لا يمكن التعامل معه كحادث معزول أو صدفة ظرفية، بل كمؤشر على هشاشة تدبير ملف يفترض أن تحكمه المسؤولية والثبات لا الحسابات السياسية المتقلبة.
وأكد الخبير في السياسة، أن ما يثير قلق الاتحاد الأوروبي بشكل متزايد هو أن هذا النمط من التدبير يفتح المجال أمام قراءة مفادها أن ملف الهجرة لا يُدار فقط كأزمة داخلية، بل كأداة ذات بعد خارجي في العلاقة مع إسبانيا.
كما شدد على أن تزامن بعض موجات الهجرة مع أزمات دبلوماسية وسياسية، يطرح مسؤولية مباشرة على صانع القرار المغربي في طريقة استخدام هذا الملف الحساس، أو توجيهه بما يخدم مصالح سياسية معينة.
ونوّه محدثنا إلى أن تداخل مسارات الهجرة غير النظامية مع شبكات تهريب البشر والمخدرات نحو إسبانيا يكشف حدود المقاربة المعتمدة، ويطرح تساؤلات ثقيلة حول فعالية الرقابة وحدود التساهل أو الانتقائية في تطبيق القوانين.
ولفت إلى أن المسؤولية، في جميع الحالات، تبقى سياسية بالدرجة الأولى، لأنها ترتبط بطبيعة الخيارات المعتمدة في الحكم والتدبير، وليس بمجرد عجز تقني أو ظرف اجتماعي عابر.
وشدد عرفي على أن تحميل سلطة المخزن مسؤولية تفاقم الأزمة لا يدخل في إطار خطاب انفعالي، بل يستند إلى واقع سياسي يتمثل في استمرار الظاهرة وإعادة إنتاجها دون الانتقال إلى سياسة جذرية تعالج الأسباب بدل الاكتفاء بإدارة النتائج.
خِتاماً، أكد المحلّل السياسي أن ما يحدث اليوم لا يمكن اعتباره قدرا اجتماعيا محتوما، بقدر ما يُمكن اعتباره نتيجة مباشرة لطريقة إدارة سياسية لملف الهجرة، في ظل غياب رؤية إصلاحية حقيقية واعتماد مقاربة ظرفية تجعل من الحدود أداة قابلة للتأثير والضغط السياسي.
إحدى أهم أدوات الابتزاز السياسي التي تعتمدها الرباط
من جانبه، يرى الكاتب والإعلامي الصحراوي، حمة المهدي، أن تصاعد الهجرة السرية نحو إسبانيا، خلال السنوات الأخيرة، أصبح يحمل أبعادا سياسية واضحة ترتبط بطريقة توظيف النظام المغربي لهذا الملف في علاقاته مع أوروبا، خاصة إسبانيا.
وأوضح المهدي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن المخزن دأب، منذ سنوات، على استخدام مجموعة من الملفات الحساسة كورقة ضغط لتحقيق مكاسب سياسية ودبلوماسية واقتصادية، مبرزا أن ملف الهجرة غير النظامية تحوّل تدريجيا إلى إحدى أهم أدوات الابتزاز السياسي التي تعتمدها الرباط في تعاملها مع الدول الأوروبية.
وأكد المتحدث أن المغرب يحاول باستمرار امتلاك أوراق ضغط تُمكّنه من فرض نفسه كشريك لا يمكن تجاوزه في قضايا الأمن والهجرة ومحاربة الجريمة العابرة للحدود، مشيرا إلى أن هذا التوجه يندرج ضمن استراتيجية تقوم، على توظيف الأزمات بدل معالجتها جذريا.
وأضاف أن السلطات المغربية تستفيد من موقعها الجغرافي القريب من أوروبا، ومن كونها معبرا رئيسيا للهجرة نحو الضفة الشمالية للمتوسط، من أجل تعزيز قدرتها التفاوضية مع الاتحاد الأوروبي والحصول على امتيازات سياسية ومالية أكبر.
وأشار حمة المهدي إلى أن الرباط تستثمر، في تضخيم المخاوف الأوروبية المرتبطة بتدفقات المهاجرين غير النظاميين، موضحا أن كل موجة هجرة جديدة نحو السواحل الإسبانية تتحول إلى وسيلة ضغط غير مباشرة على مدريد وبروكسل، خاصة في الفترات التي تشهد توترا سياسيا أو خلافات دبلوماسية حول ملفات إقليمية حساسة، وعلى رأسها قضية الصحراء الغربية.
ولفت إلى أن أحداث مدينة سبتة سنة 2021، عندما دخل آلاف المهاجرين إلى المدينة في ظرف زمني قصير، شكلت نموذجا واضحا على إمكانية توظيف ملف الهجرة كورقة ضغط سياسي لإجبار إسبانيا على إعادة النظر في مواقفها تجاه القضية الصحراوية.
وأبرز محدثنا أن سلطة المخزن لا تكتفي باستغلال ملف الهجرة فقط، بل تعتمد أيضا على ملفات أخرى مرتبطة بالمخدرات والجريمة العابرة للحدود والإرهاب من أجل تكريس صورة “الشريك الأمني الضروري” بالنسبة لأوروبا.
وأوضح أن المغرب يقدم نفسه كحاجز أمني يحمي الضفة الأوروبية من تدفقات المهاجرين ومن الشبكات الإجرامية، الأمر الذي يسمح له بالحصول على دعم مالي كبير تحت عنوان “مكافحة الهجرة غير الشرعية” وتعزيز التعاون الأمني مع الدول الأوروبية.
كما شدد حمة المهدي على أن هذا النوع من السياسات، لا يعالج الأسباب الحقيقية للهجرة، بل يساهم في استمرارها واستثمارها سياسيا، مُشيرا إلى أن الأوضاع الاجتماعية الصعبة، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع فرص التنمية، تبقى عوامل أساسية تدفع الشباب نحو الهجرة، غير أنه يرى أن هذه العوامل يتم توظيفها سياسيا بدل العمل على معالجتها بشكل فعلي.
ونوّه المتحدث إلى أن العلاقة بين المغرب وأوروبا في ملف الهجرة، أصبحت قائمة على منطق “المقايضة السياسية”، حيث تحصل الرباط على مساعدات مالية ودعم دبلوماسي مقابل لعب دور الشرطي الحدودي لأوروبا.
وأكد الكاتب والإعلامي الصحراوي، أن هذا الواقع يجعل ملف الهجرة يتجاوز أبعاده الإنسانية والاجتماعية ليتحول إلى ورقة جيوسياسية تُستخدم في إدارة التوازنات الإقليمية والعلاقات الثنائية.
وأضاف حمة المهدي أن النظام المغربي يحرص على إبقاء ملف الهجرة حاضرا كورقة تفاوض دائمة، من خلال التلويح بإمكانية تصاعد تدفقات المهاجرين كلما شهدت العلاقات مع أوروبا توترا سياسيا.
وأكد المتحدث أن فهم ظاهرة الهجرة السرية نحو إسبانيا لا يمكن أن يقتصر فقط على المقاربة الاجتماعية والاقتصادية، رغم أهميتها، بل يستوجب قراءة أوسع تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد السياسية والاستراتيجية المرتبطة بطريقة إدارة المغرب لهذا الملف.
وفي ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، شدد حمة المهدي على أن تداخل المصالح الأمنية والسياسية والاقتصادية بين الرباط والعواصم الأوروبية، جعل من الهجرة غير النظامية أداة مؤثرة في صياغة المواقف الدبلوماسية والتوازنات الإقليمية في منطقة المغرب العربي والضفة الغربية للمتوسط.
بلغة الأرقام.. مؤشرات على إدارة سياسية للأزمة
هذا، وفي سياق تتبع تطور تدفقات الهجرة غير النظامية نحو السواحل الإسبانية، تكشف مجموعة من الأرقام والمعطيات عن ارتباط هذا الملف بمحطات سياسية ودبلوماسية حساسة بين الرباط ومدريد، ومع الاتحاد الأوروبي، ما يعزز فرضية توظيفه كورقة ضغط في سياقات معينة.
ففي شهر أوت 2014، سُجل تدفق نحو 1200 مهاجر في يوم واحد نحو سواحل قادس بإسبانيا، عقب حادثة “أزمة اليخت الملكي” التي فجرت توترا دبلوماسيا بين البلدين.
كما شهد فيفري 2017 اقتحاما جماعيا لأكثر من 800 مهاجر لسياج سبتة في ظرف 4 أيام، كرسالة تحذيرية للقضاة في بروكسل، عقب صدور قرارات من محكمة العدل الأوروبية تستثني منتجات الصحراء الغربية من الاتفاقيات التجارية.
أما سنة 2020، فقد عرفت وصول حوالي 23 ألف مهاجر إلى جزر الكناري، بزيادة قياسية قُدرت بـ573 بالمئة مقارنة بسنة 2019، وذلك في أعقاب توتر العلاقات مع إسبانيا حول ترسيم الحدود البحرية (المناطق المنجمية في المحيط الأطلسي).
وفي ماي 2021، شهدت مدينة سبتة ما عُرف بـ”فتح الحدود”، حيث تدفق ما بين 10 آلاف و12 ألف مهاجر، من بينهم حوالي 2000 قاصر، في حدث اعتبرته مدريد غير مسبوق في سياق العلاقات الثنائية.
كما وقعت في 24 جوان 2022 مأساة مليلية، حين حاول نحو 1500 مهاجر اقتحام السياج الحدودي، ما خلّف قتلى وجرحى وسط موجة جدل حقوقي ودولي واسع.
وتشير معطيات ميدانية أخرى إلى تسجيل وصول فئات واسعة من القاصرين غير المرافقين إلى جيب سبتة، بعضهم لا تتجاوز أعمارهم 7 أو 8 سنوات، ما يعكس تحول الظاهرة إلى ملف إنساني معقد تتداخل فيه الأبعاد الاجتماعية والأمنية.
وفي المقابل، يبرز خطاب رسمي مغربي يقوم على ما يُوصف بسياسة “الدركي المتعب”، من خلال التأكيد على تحمل المملكة أعباء مالية تُقدر بنحو 430 مليون أورو سنوياً في مجال مراقبة الحدود، مع المطالبة بدعم أوروبي إضافي.
كما تُظهر المعطيات أن المغرب يعد من بين أبرز المستفيدين من آليات التمويل الأوروبية في مجال الهجرة وإدارة الحدود، حيث خصص له ما يقارب 500 مليون أورو خلال الفترة 2021-2027، إلى جانب حوالي 1,6 مليار أورو كمنح أوروبية موجهة للتعاون في هذا المجال.
وتتحدث بعض التقارير أيضاً عن لجوء الرباط إلى “إشارات ضغط غير مباشرة”، من بينها تعطّل تقني مفاجئ في أنظمة الرادار خلال فترات التوتر الدبلوماسي، في سياق يُقرأ أحيانا كرسائل سياسية مرتبطة بإدارة هذا الملف الحساس.
المصدر: سهام سعدية سوماتي - الايام نيوز
