منذ وصوله إلى الحكم سنة 2004، في انتخابات ما تزال تحيط بها الكثير من علامات الاستفهام والجدل السياسي والإعلامي، لم يتوقف مسلسل الفضائح عن ملاحقة الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، وزعيمه آنذاك خوسيه لويس رودريغيث ثاباتيرو، ثم لاحقًا وريثه السياسي بيدرو سانشيز.
فوز الحزب الاشتراكي جاء مباشرة بعد أحداث مدريد الدامية، المعروفة بتفجيرات أتوتشا وقطارات “رينفي”، أو ما يعرف في إسبانيا باسم “11M”، وهي الأحداث التي غيرت المزاج الانتخابي الإسباني بشكل مفاجئ وقلبت نتائج الانتخابات رأسًا على عقب، وسط روايات وتساؤلات وشكوك لم تنطفئ إلى اليوم، خاصة مع الحديث المتكرر عن أدوار خفية لأجهزة استخبارات أجنبية، وعلى رأسها المخابرات المغربية والفرنسية، في واحدة من أكثر المحطات غموضًا في التاريخ الإسباني الحديث.
ومنذ ذلك التاريخ، بدا وكأن الفضائح أصبحت جزءًا ملازمًا لمسار الحزب الاشتراكي، الذي رفع شعارات الديمقراطية والشفافية، بينما كانت الوقائع تكشف شيئًا مختلفًا تمامًا.
أولى وأكبر هذه الفضائح كانت قضية “ERE” الشهيرة في إقليم الأندلس، والتي تحولت إلى واحدة من أضخم قضايا الفساد المالي في تاريخ إسبانيا، بعدما تم نهب وتحويل مئات الملايين من أموال الدعم الاجتماعي والعمالي إلى شبكات محسوبة على الحزب الاشتراكي ومسؤوليه النافذين، وهي القضية التي أطاحت بقيادات بارزة وأدخلت رؤساء حكومات إقليمية اشتراكية إلى أروقة المحاكم.
ثم جاءت فضائح الفساد البلدي والعقاري، وصفقات الرشى والمحسوبية التي تورط فيها منتخبون ومسؤولون اشتراكيون في عدة مدن إسبانية، خاصة خلال سنوات الطفرة العقارية، حيث تحولت البلديات إلى مراكز للزبونية والاغتناء غير المشروع.
ومع مرور السنوات، لم تتوقف الانهيارات الأخلاقية والسياسية داخل الحزب. فقد لاحقت الاشتراكيين اتهامات باستغلال أجهزة الدولة، والتجسس على الخصوم، وتسريب المعطيات وتوظيف القضاء والإعلام العمومي لخدمة أجندات سياسية ضيقة، في مشهد يناقض تمامًا الخطاب الديمقراطي الذي يتغنون به.
كما انفجرت فضائح المحسوبية والتعيينات الحزبية، حيث تم تحويل مؤسسات الدولة والشركات العمومية إلى غنائم توزع على المقربين والعائلات والموالين للحزب، في تكريس واضح لمنطق الولاء بدل الكفاءة.
وفي عهد بيدرو سانشيز، دخل الحزب الاشتراكي مرحلة أكثر خطورة من الانحدار السياسي والأخلاقي، خاصة بعد تفجر قضية زوجته بيغونيا غوميز، وما رافقها من شبهات تضارب مصالح واستغلال النفوذ، وهي القضية التي هزت صورة الحكومة الإسبانية وأدخلتها في دوامة من الانتقادات والتحقيقات.
ثم جاءت فضيحة “كولدو” المرتبطة بصفقات الكمامات والمعدات الطبية خلال جائحة كورونا، لتكشف مرة أخرى حجم الفساد والعمولات والصفقات المشبوهة داخل دوائر الحكم الاشتراكي، حيث تحولت معاناة الإسبان في زمن الوباء إلى فرصة للنهب والثراء السياسي.
ولم تتوقف الفضائح عند المال والسياسة فقط، بل امتدت إلى الجانب الأخلاقي، بعدما تفجرت قضايا تتعلق بمسؤولين اشتراكيين متورطين في فضائح جنسية وشراء خدمات الدعارة، في مشهد صادم لحزب طالما قدم نفسه كمدافع عن “القيم التقدمية” وحقوق الإنسان.
أما سياسيًا، فقد أثار الحزب الاشتراكي غضب جزء واسع من الإسبان بسبب تحالفاته وصفقاته مع الأحزاب الكتالونية والباسكية، مقابل البقاء في السلطة، حتى وصل الأمر إلى تمرير قوانين العفو والتنازلات السياسية التي اعتبرها كثيرون خيانة لوحدة الدولة الإسبانية ومؤسساتها.
غير أن لعنة خيانة القضية الصحراوية ستظل، واحدة من أكبر الفضائح السياسية والأخلاقية التي ستبقى وصمة عار على جبين الحكومات الاشتراكية الإسبانية، وعلى رأسها حكومة ثاباتيرو ومن جاء بعده. فإسبانيا، باعتبارها القوة الاستعمارية السابقة للصحراء الغربية، لم تكتفِ بالتنصل من مسؤولياتها التاريخية والقانونية، بل تحولت في مراحل عديدة إلى طرف داعم ومساند لأجندة الاحتلال المغربي، في تناقض صارخ مع القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
كما تتهم أوساط صحراوية واسبانية سياسية ثاباتيرو بلعب أدوار تتجاوز الوساطة السياسية التقليدية، من خلال المساهمة في تشكيل شبكات ضغط وجماعات موالية للمغرب داخل إسبانيا وأوروبا، وتجنيد شخصيات وإعلاميين وواجهات سياسية للدفاع عن أطروحة الاحتلال وتلميع صورته، مقابل رشا وامتيازات من طرف نظام المخزن، إضافة إلى شبهات مرتبطة بتبييض الأموال والتمويلات المشبوهة التي تُستعمل للتأثير على مراكز القرار والرأي العام خدمة لهذه الأجندة.
واليوم، وبعد أكثر من عقدين على انتخابات 2004 المثيرة للجدل، وأحداث “11M” التي ما تزال تثير الكثير من الأسئلة والتأويلات، تبدو صورة الحزب الاشتراكي الإسباني غارقة في سلسلة طويلة من الفضائح المالية والسياسية والأخلاقية، التي جعلت كثيرين داخل إسبانيا وخارجها يعتبرون أن هذا الحزب لم يكن يومًا نموذجًا للنزاهة والديمقراطية، بقدر ما كان واجهة لمنظومة مصالح وتحالفات وصفقات خفية، لم تتوقف آثارها الكارثية على الدولة والمجتمع الإسباني حتى الآن.
سلامة مولود اباعلي
