على وقع طبول الحرب التي لم تهدأ، غادر المبعوثان الأمريكيان جاريد كوشنر وستيف ويتكوف العاصمة الباكستانية إسلام آباد، حاملَين معهما فشل مفاوضات ماراثونية استمرت 21 ساعة، ليعودا لواشنطن "بخفَّي حُنين".
وبينما كانت الطائرات تقل الوفد الأمريكي بعيدا، ترك المبعوثان خلفهما طاولة مفاوضات تحولت من مساحة للحلول إلى ساحة لاختبار القوة الدبلوماسية، حيث اصطُدم "العرض النهائي" بجدار "المطالب غير المعقولة" من منظور طهران.
هذه الجولة التي حبست أنفاس المنطقة ووضعت اتفاق وقف إطلاق النار الهش على المحك، لم تكن الطاولة فيها مجرد مساحة للنقاش، بل كانت امتدادا لصراع الإرادات الذي انتقل من الميدان إلى الغرف المغلقة.
وفي قلب هذا الحراك المكوكي، تداخلت ملفات السيادة والسيطرة على المضائق الإستراتيجية مع هواجس التسلح النووي، لتضع الوفدين وجها لوجه أمام استحقاقات تاريخية لا تقبل الحلول الوسط.
"العرض النهائي"
لم يغادر جيه دي فانس نائب الرئيس الأمريكي إسلام آباد بصمت، بل وضع النقاط على الحروف في تصريحات عكست خيبة أمل مغلفة بلغة التهديد المبطن، إذ أعلن فانس بوضوح أن الإيرانيين "اختاروا" عدم قبول الشروط الأمريكية، مؤكدا أن الوفد الأمريكي يغادر الطاولة بعد أن قدّم "أفضل عرض ممكن ونهائي"، لينهي بذلك ساعات من التفاوض المضني دون الوصول إلى اتفاق يُرضي الطرفين.
وفي كشف لافت يعكس انسداد الأفق الدبلوماسي، نقلت صحيفة "واشنطن بوست" عن مسؤول باكستاني مطلع أن فانس غادر البلاد "دون أي خطط لمشاركة محتملة مرة أخرى في المفاوضات"، مشيرا إلى أن المحادثات شهدت "تقلبات حادة" امتدت حتى الساعات الأولى من صباح الأحد.
وفي خضم التصعيد الميداني الذي سبق ورافق هذه المفاوضات، أشار نائب الرئيس إلى أن "المنشآت النووية الإيرانية قد دُمرت"، ومع ذلك، فإن الطرف الإيراني لم يقدّم حتى الآن أي تعهد بوقف برنامجه النووي أو "التزام أكيد" بعدم السعي لامتلاك السلاح النووي.
وشددت واشنطن، التي أكدت تفاوضها "بنية حسنة"، على أن هناك "أوجه قصور" جوهرية في الموقف الإيراني، حيث لم تسمع أي رد إيجابي بشأن الأدوات التي تمكّن طهران من صناعة القنبلة بسرعة، مما يجعل العودة إلى واشنطن "دون اتفاق" هي النتيجة الحتمية لهذه الجولة الصعبة.
وقال فانس "نحن بحاجة إلى أن نرى تأكيدا قويا بأن إيران لن تسعى للحصول على سلاح نووي"، مشيرا إلى أنه ثمة "أوجه قصور في المحادثات مع إيران".
وحملت تصريحات فانس إشارة إلى أنه لا يزال يمنح إيران وقتا كافيا للنظر في العرض المقدم من الولايات المتحدة التي أعلنت الثلاثاء وقف هجماتها لمدة أسبوعين بانتظار نتيجة المفاوضات.
وفي تصريحاته المقتضبة في الفندق الذي استضاف المحادثات في إسلام آباد، لم يسلط فانس الضوء على الخلاف حول قضية رئيسية أخرى، وهي إعادة فتح مضيق هرمز، الممر الإستراتيجي الذي يمر عبره خُمس نفط العالم.
ولفت إلى أن الرئيس دونالد ترمب، الذي أعرب السبت في واشنطن عن عدم اكتراثه إذا توصل الجانبان إلى اتفاق أم لا، كان متساهلا في المحادثات.
وقال "أعتقد أننا كنا مرنين للغاية. كنا متعاونين للغاية. قال لنا الرئيس: عليكم أن تأتوا إلى هنا بحسن نية وأن تبذلوا قصارى جهدكم للتوصل إلى اتفاق"، مضيفا "فعلنا ذلك، ولكن للأسف، لم نتمكن من إحراز أي تقدم".
