القائمة الرئيسية

الصفحات

المغرب والبحث عن “الورقة المفقودة” لإلصاق التهم بجبهة البوليساريو.

                


لم يكن مفاجئاً أن تعود الدعاية المغربية مرة أخرى إلى ترويج الاتهامات الجاهزة ضد جبهة البوليساريو، وربطها هذه المرة بإيران. فكلما ضاقت الخيارات السياسية أمام الرباط في قضية الصحراء الغربية، لجأت إلى الأسلوب ذاته: توسيع دائرة الاتهام وخلق روايات جديدة تُخرج النقاش من جوهره الحقيقي وتدفعه نحو قضايا جانبية.
غير أن توقيت هذه الاتهامات ليس بريئاً. فالعالم يعيش على وقع توتر متصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما تحاول الرباط استغلاله سياسياً عبر تقديم البوليساريو في صورة طرف مرتبط بإيران، أملاً في كسب مزيد من التعاطف أو الضغط من واشنطن. إنها محاولة واضحة لإقحام قضية الصحراء الغربية في صراعات دولية لا علاقة لها بطبيعة النزاع ولا بأسبابه.
لكن الحقيقة التي تحاول الدعاية المغربية القفز عليها هي أن القضية الصحراوية لم تكن يوماً صراع محاور أو تحالفات عسكرية، بل قضية واضحة في القانون الدولي: قضية شعب لم يُمكَّن بعد من ممارسة حقه في تقرير المصير. وكل محاولات تحويلها إلى ملف أمني أو إقليمي ليست سوى محاولة لتغيير موضوع النقاش وإبعاد الأنظار عن أصل المشكلة.
ولذلك فإن اللجوء إلى الاتهامات الجاهزة والبحث المحموم عن “ورقة مفقودة” لتعليقها على شماعة البوليساريو لا يكشف قوة في الموقف المغربي، بقدر ما يكشف حالة ارتباك سياسي واضحة. فالدبلوماسية الواثقة من شرعية موقفها لا تحتاج إلى صناعة خصوم وهميين، ولا إلى استيراد صراعات الآخرين لتبرير سياساتها.
الأخطر من ذلك أن المغرب، الذي يحاول اليوم تقديم نفسه كطرف يحارب “التهديدات الخارجية”، يتجاهل أن سجله السياسي في المنطقة لا يمنحه أي سلطة أخلاقية لتوزيع الاتهامات. فمنذ سنوات اختارت الرباط الانخراط في تحالفات إقليمية مثيرة للجدل، وفتحت أبواب التطبيع والتحالفات الأمنية في وقت كانت فيه شعوب المنطقة، وعلى رأسها الشعب الفلسطيني، تتعرض لانتهاكات جسيمة. كما أن سياسات النفوذ التي انتهجها المغرب في فضاء الساحل والصحراء، عبر شبكات المصالح والتأثير السياسي والاقتصادي، تثير بدورها أسئلة حقيقية حول طبيعة الدور الذي تسعى الرباط إلى لعبه في المنطقة.
إن دولة تحاول توسيع نفوذها الإقليمي عبر هذه الشبكات، لا يمكنها في الوقت نفسه أن تدّعي محاربة الفوضى أو أن تقدّم نفسها كضحية مؤامرات خارجية. فالتناقض هنا واضح: من يصنع الأزمات في محيطه لا يمكنه أن يقدّم نفسه كحارس للاستقرار.
ومن هنا تبدو الاتهامات الموجهة إلى جبهة البوليساريو جزءاً من استراتيجية قديمة قوامها الهروب إلى الأمام. فبدل مواجهة السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه منذ عقود – وهو لماذا لم يُمكَّن الشعب الصحراوي من ممارسة حقه في تقرير المصير – يجري إغراق النقاش في ملفات جانبية، مرة باسم الأمن الإقليمي، ومرة باسم محاربة الإرهاب، ومرة أخرى باسم الصراع مع إيران.
سلامة مولود اباعلي

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...