تشهد الساحة السياسية في إسبانيا تحولات غير مسبوقة مع اقتراب تنفيذ خطة حكومية لتسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين. وبينما كانت الحكومة تروج للخطوة باعتبارها إجراءً إنسانياً واقتصادياً ضرورياً، برز تقارب سياسي غير متوقع بين حزب Junts الكتالوني وحزب الشعب (PP) في اتجاه معاكس يسعى إلى تشديد شروط هذه التسوية.
تسوية تاريخية تثير انقساماً حاداً
تعمل الحكومة الإسبانية على إطلاق عملية استثنائية لتسوية أوضاع ما بين نصف مليون و800 ألف مهاجر، بهدف إدماجهم في سوق العمل وتعزيز إيرادات الضمان الاجتماعي في ظل شيخوخة السكان.
غير أن هذا المشروع، الذي حظي بدعم واسع من منظمات المجتمع المدني، واجه معارضة قوية من أحزاب اليمين، التي ترى فيه عامل جذب للهجرة غير النظامية وتهديداً للأمن الاجتماعي والاقتصادي.
تحالفات تتجاوز الانقسام التقليدي
المفاجأة السياسية لم تأتِ فقط من موقف اليمين، بل من انضمام حزب Junts – المعروف بخطابه القومي الكتالوني – إلى جبهة تشدد شروط التسوية، إلى جانب حزب الشعب، وأحياناً بدعم من قوى أخرى محافظة.
هذا التقارب يعكس تحولاً في أولويات بعض الأحزاب، حيث بات ملف الهجرة يتقدم على الخلافات الإيديولوجية أو القومية، ويُستخدم كأداة لإعادة رسم التحالفات داخل البرلمان الإسباني.
ماذا يريد PP وJunts تحديداً؟
يسعى الحزبان إلى إدخال تعديلات تشريعية تجعل عملية التسوية أكثر صرامة، من خلال:
• تشديد التحقق من السجل الجنائي للمتقدمين
• وضع قيود إضافية على شروط الإقامة أو العمل
• منع أي تسوية قد تُفسر على أنها “عفو جماعي” دون رقابة أمنية
هذه المقترحات جاءت ضمن تعديلات أُدخلت على مشاريع قوانين مرتبطة بالجريمة المتكررة والهجرة، بهدف ربط التسوية بمسائل الأمن العام.
خلفيات سياسية وانتخابية
يرى مراقبون أن هذا الموقف لا ينفصل عن المنافسة السياسية داخل كل معسكر.
• حزب الشعب يسعى إلى استعادة أصوات الناخبين المحافظين ومواجهة صعود اليمين المتطرف.
• أما Junts، فيواجه ضغوطاً داخل كتالونيا من أحزاب قومية أكثر تشدداً تتهمه بالتساهل في ملف الهجرة.
وبالتالي، فإن التشدد في هذا الملف أصبح أداة سياسية لكسب الشرعية الانتخابية، أكثر من كونه مجرد موقف تشريعي.
جدل حقوقي وتحذيرات من آثار اجتماعية
منظمات حقوق الإنسان والجمعيات المدافعة عن المهاجرين تحذر من أن تشديد الشروط قد يفرغ عملية التسوية من مضمونها، ويُبقي آلاف الأشخاص في الاقتصاد غير الرسمي، ما يعني استمرار الاستغلال والعمل غير القانوني.
كما تشير هذه الجهات إلى أن تسوية أوضاع المهاجرين تاريخياً ساهمت في تقليل الجريمة وزيادة الإيرادات الضريبية، وهو ما استخدمته الحكومة كأحد أهم مبرراتها للمضي قدماً في المشروع.
مستقبل الخطة بين البرلمان والمرسوم الحكومي
رغم المعارضة، ما زالت الحكومة تملك خيار تمرير التسوية عبر مرسوم تنفيذي، وهو ما يقلل من قدرة البرلمان على عرقلتها، لكنه يزيد في المقابل من حدة المواجهة السياسية ويهدد بتحويل الملف إلى أحد أبرز محاور الصراع قبل الانتخابات المقبلة.
