إنّ رحيل الإعلامي الفلسطيني جمال ريان لم يكن مجرّد خبر وفاة عابر في نشرات الأخبار، بل كان لحظة كشفت معادن الناس على حقيقتها. ففي الوقت الذي توحّدت فيه دعوات العرب والمسلمين بالرحمة لرجلٍ عرفه الملايين عبر شاشة قناة الجزيرة، برزت على الهامش أصوات الشماتة من المغرب المغرب، اختارت أن تحوّل خبر الموت إلى ساحة تصفية حسابات رخيصة.
فالشماتة بالموت ليست اختلافاً في الرأي ولا موقفاً سياسياً، بل سقوط أخلاقي مدوٍّ. لأن الموت، حتى عند الخصوم، لحظة صمتٍ واعتبار، تُطوى فيها الخصومات احتراماً لحرمة الرحيل. وحدها النفوس التي أعمى الحقد بصيرتها ترى في موت إنسان فرصة للانتقام اللفظي، وكأنها لا تملك شجاعة مواجهة الأحياء فتنتقم من الأموات.
لقد كشف هذا السلوك أن الضجيج الذي يملأ الفضاء ليس دائماً دليلاً على قوة الحجة، بل كثيراً ما يكون ستاراً يخفي فقراً أخلاقياً عميقاً. فلا حجة، ولا مروءة، ولا حتى الحد الأدنى من القيم التي تمنع الإنسان من الرقص على حافة القبور. فالخلاف قد يكون مشروعاً، لكن تحويل الموت إلى مهرجان شماتة هو انحدار لا يليق إلا بمن فقدوا البوصلة الإنسانية.
رحل جمال ريان، لكن رحيله لم يفضح سيرته، بل فضح أولئك الذين شمتوا فيه. فالرجل عاش عقوداً في ميدان الإعلام وترك اسماً يعرفه الملايين، بينما سيبقى الشامتون مجرد أصوات عابرة في هامش الضجيج. فالتاريخ لا يكتب الشتائم، بل يكتب الأثر، ولا يخلّد الصراخ حول القبور، بل يخلّد من ترك كلمة بقيت.
رحم الله جمال ريان؛ فقد غادر الدنيا كما يغادر الابطال، أما الذين استقبلوا خبر موته بالشماتة، فقد كتبوا بأيديهم لحظة سقوط أخلاقي ستبقى شاهدة عليهم، لأن الموت يمتحن الأخلاق: فيكشف الرجال، ويعرّي الأقنعة، ويترك كل إنسان أمام مرآة ضميره… حيث لا يبقى من الإنسان إلا ما فيه من إنسانية.
سلامة مولود اباعلي
.jpeg)