في اللحظات التي تضيق فيها الجغرافيا تحت ضغط الخوف، وتتسارع فيها نبضات القلق في صدور الناس، لا يبقى للوطن سوى حقيقته العارية… تلك التي لا تُقال، بل تُمارَس. عندها فقط، تتكشف معادن الانتماء، وتُختبر الوطنية خارج الشعارات، بعيدًا عن المزايدات، في مساحة الفعل لا القول، وفي ميزانٍ لا يُجامل أحدًا.
كلما مرّت البلاد بمنعطفٍ حاد، ارتفعت أصوات تُعلن الولاء، وتؤكد الانتماء، وكأن الوطنية كانت غائبة فاستُدعيت على عجل. فجأة، يتحول الجميع إلى حرّاس على بوابات الوطن، يوزّعون صكوك الانتماء، ويُصنّفون الناس بين وطنيٍّ ومُقصّر، بين صامتٍ يُتّهم، وصاخبٍ يُكافأ. وهنا، يبدأ السؤال الأكثر إلحاحًا: هل الوطنية موقفٌ دائم، أم حالة طارئة تُستدعى عند الحاجة؟
في هذا المشهد المتكرر، لا تبدو المشكلة في ارتفاع الصوت بحد ذاته، بل في اختزال الوطنية في لحظة انفعال. فالوطنية التي تولد من رحم الخوف وحده، غالبًا ما تموت بانتهاء الخطر..أما تلك التي تنمو في تربة الوعي، فهي التي تبقى، وتترسخ، وتتحول إلى سلوكٍ يومي لا يحتاج إلى مناسبة كي يظهر.
الوطنية، في جوهرها، ليست خطابًا طارئًا، بل علاقة مستمرة بين الإنسان ووطنه؛ علاقة تقوم على الحقوق كما تقوم على الواجبات، وعلى النقد كما تقوم على الدعم، وعلى المحاسبة كما تقوم على الحماية. فمن يحب وطنه حقًا، لا يكتفي بالدفاع عنه في لحظات الخطر، بل يسعى إلى إصلاحه في أوقات الاستقرار، ويؤمن أن الصمت عن الخطأ ليس انتماءً، بل تخلٍّ مقنّع.
في زمن الخطر، لا يحتاج الوطن إلى ضجيجٍ إضافي، بل إلى وعيٍ هادئ، وإلى ثقةٍ متبادلة، وإلى مجتمعٍ يُدرك أن التماسك لا يُبنى بالصراخ، بل بالفعل المسؤول. فالوطن لا تحميه الكلمات، مهما علت، بقدر ما يحميه العمل الصادق، والالتزام الحقيقي، والإيمان العميق بأن الانتماء ليس مناسبة، بل التزام يومي لا ينقطع.
ولعل أخطر ما في مشهد “الوطنية الموسمية” أنه يُربك البوصلة. إذ يتحول الانتماء من قيمة أخلاقية إلى أداة تقييم سريعة، يُقاس فيها الإنسان بمدى صوته، لا بعمق فعله. وهنا، يُدفع كثيرون إلى المبالغة، لا حبًا في الوطن، بل خوفًا من الاتهام أو رغبةً في القبول الاجتماعي. فتعلو الأصوات، وتختفي الحقائق.
وفي خضم هذا الضجيج، يغيب أولئك الذين يمارسون وطنيتهم بصمت؛ الموظف الذي يؤدي عمله بإخلاص، الجندي الذي يسهر دون ضجيج، المعلم الذي يزرع الوعي، والطبيب الذي يداوي بصبر. هؤلاء لا يظهرون في لحظة الهتاف، لكنهم حاضرون في كل لحظة بناء. هؤلاء هم العمود الفقري الحقيقي للوطن، وإن لم يرفعوا شعارات.
غير أن الأخطر من ضجيج المواقف، هو تحوّل الوطنية إلى أداةٍ للمزايدة أو وسيلةٍ لتحقيق مكاسب شخصية.. حينها، لا يعود الصوت المرتفع دليل صدق، بل قد يصبح غطاءً يُخفي وراءه فراغًا في الفعل، أو عجزًا عن تقديم ما هو حقيقي. وهنا، تختلط المعايير، ويضيع الفارق بين من يحب الوطن بصمت، ومن يرفع صوته باسمه.
وفي مجتمعاتٍ أنهكتها الأزمات، يصبح الوعي الجمعي أكثر حساسية تجاه هذا التناقض. فالشعوب التي دفعت أثمانًا باهظة، لم تعد تنخدع بسهولة بالشعارات، بل تبحث عمّن يقف معها فعلًا، لا من يقف أمامها خطيبًا. تدرك أن الوطنية ليست منصة، بل موقف؛ ليست كلمات تُقال، بل أفعال تُرى.
الوطنية لا تُقاس بارتفاع النبرة، ولا بعدد الكلمات، بل بقدرتنا على الصمود، وعلى حماية بعضنا البعض، وعلى تحمّل المسؤولية دون انتظار مقابل. هي أن نحفظ كرامة الناس كما نحفظ حدود الأرض، وأن ندرك أن أخطر ما يواجه الأوطان ليس فقط التهديد الخارجي، بل تآكل الثقة في الداخل، حين يشعر المواطن أن صوته لا يُسمع، أو أن معاناته لا تُرى.
أما أولئك الذين ينتظرون الأزمات ليصعدوا على منصّات الوطنية، ويحوّلوها إلى مسرحٍ للخطابة أو ساحةٍ لتصفية الحسابات، فعليهم أن يدركوا أن الوعي الجمعي لم يعد يُخدع بسهولة، وأن الشعوب التي تدفع ثمن الأزمات، تميّز جيدًا بين من يقف معها، ومن يقف فوقها.
الوطنية الحقيقية المنتجة للثبات تبقى هادئة… لا تحتاج إلى إعلان، ولا تبحث عن تصفيق. تظهر في التفاصيل الصغيرة، في الالتزام، في الصدق، في العمل، وفي القدرة على البقاء أوفياء للوطن، لا في زمن الخطر فقط، بل في كل الأزمنة.
لأن الوطن… لا يحتاج منّا أن نرفع صوتنا باسمه، بقدر ما يحتاج أن نكون على قدره ، ونلوذ عنه في زمن المحن .
عدنان نصّار - كاتب وصحفي أردني - رأي اليوم
