ليس في السياسة ما يثير الاشمئزاز أكثر من النفاق حين يتدثّر بعباءة المبادئ. وهذا بالضبط ما يفعله اليوم رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز عندما يتحدّث بلهجة الواعظ عن احترام القانون الدولي، بينما يدوس عليه ببرود حين يتعلّق الأمر بقضية الصحراء الغربية.
فالرجل الذي يعلن رفضه استخدام الأراضي الإسبانية لشنّ أي عدوان على إيران من قبل الولايات المتحدة، ويقدّم ذلك بوصفه موقفاً سيادياً وأخلاقياً، هو نفسه الذي لا يتردّد في التنصّل من أبسط الالتزامات القانونية والأخلاقية تجاه شعب الصحراء الغربية. وكأنّ المبادئ في السياسة الإسبانية تُستحضر حين تكون بلا ثمن، وتُدفن حين تتحوّل إلى واجب ثقيل ومسؤولية تاريخية لا مهرب منها.
إنّ الحقيقة التي لا يستطيع أي خطاب دبلوماسي إخفاءها هي أنّ إسبانيا ليست مجرد طرف بعيد في قضية الصحراء الغربية، بل هي أصل العقدة وبداية المأساة. فقد حكمت الإقليم لعقود طويلة بوصفه مستعمرة، ثم انسحبت منه في ظروف مرتبكة وملتبسة عقب ما سُمّي بـ اتفاقية مدريد المشوءمة، تاركة شعبه نهباً لصراع طويل ومفتوح ما تزال تداعياته تضرب المنطقة إلى اليوم.
لقد كان من واجب مدريد، قانونياً وأخلاقياً، أن تشرف على مسار تصفية استعمار حقيقي يفضي إلى تمكين الشعب الصحراوي من تقرير مصيره. لكنها اختارت الطريق الأسهل: الهروب. هروب ترك وراءه فراغاً سياسياً وانفجاراً تاريخياً ما يزال الشعب الصحراوي يدفع ثمنه منذ أكثر من نصف قرن من اللجوء والمعاناة والانتظار.
والأكثر فجاجة أنّ الحكومة الإسبانية الحالية لا تكتفي بالتنصّل من هذه المسؤولية، بل تحاول أن تتزيّن بلباس المدافع عن الشرعية الدولية في قضايا أخرى. وكأنّ القانون الدولي يصبح مقدّساً حين يتعلّق بأزمات بعيدة، لكنه يفقد الصلاحية فجأة عندما يصل إلى حدود الصحراء الغربية.
أيّ منطق أعوج هذا؟ وأيّ أخلاق سياسية هذه التي ترى الظلم بوضوح في مكان، ثم تصاب بعمىٍ كامل حين يكون مصدر المأساة هو التاريخ السياسي للدولة نفسها؟
إنّ الدفاع عن القانون الدولي لا يكون بانتقائية انتهازية، ولا بتحويل المبادئ إلى شعارات تُرفع في الملفات البعيدة وتُخفى في الملفات التي تفضح المسؤولية المباشرة. فالمبادئ ليست زينة خطابية، بل التزام ثقيل يبدأ أولاً من مواجهة التاريخ لا الهروب منه.
لقد حاولت مدريد طويلاً الهروب من ظلّ الصحراء الغربية، غير أنّ الحقيقة تظلّ تلاحقها بإصرار: فإسبانيا كانت بداية المأساة، ولا يمكنها التنصّل من تبعاتها السياسية والأخلاقية والقانونية مهما طال الزمن.
ولهذا سيبقى كل حديث إسباني عن القانون الدولي ناقصاً ومشوهاً، بل فاقداً للمصداقية، ما لم يبدأ من الحقيقة البسيطة التي يجري تجاهلها عمداً: أن للشعب الصحراوي حقاً ثابتاً في تقرير مصيره، وأن هذا الحق ليس منّة من أحد، بل دينٌ تاريخي ما تزال إسبانيا مطالبة بسداده.
سلامة مولود اباعلي
