فرضت الحرب على إيران، إيقاعًا مُختلفًا، فيما يبدو على الولايات المتحدة الأمريكية، دفعت بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب لانتقاد حليفته العربية السعودية، وعلى وجه الخُصوص ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والذي كان زار واشنطن، وحظي بترحاب غير مسبوق من ترامب ذاته لفت أنظار العالم في البيت الأبيض.
رفض الأمير بن سلمان للتطبيع مع إسرائيل دون ثمن قيام دولة فلسطينية، واحد من الأسباب التي دفعت فيما يبدو ترامب للخروج عن طوره بهذا الشكل، وفي سياق نقدي لم يلتزم في سياقات الأعراف للتعامل بين زعماء دول تضمّن تطاولًا شخصيًّا.
ويبدو من حديث ترامب الذي طال الأمير بن سلمان، أن الأمير كان يُناور في مسألة مُحاولة فرض ترامب على المملكة التطبيع، حيث كشف ترامب عن حوارات سابقة دارت بينه، وبين بن سلمان حول التطبيع، ليرد بن سلمان بحسب قول ترامب: “كان محمد يقول: أوه نعم، بمجرد أن نفعل هذا، وبمجرد أن نفعل ذاك”.
واختزل ترامب أسباب بن سلمان في عدم التطبيع، بإيران، حيث قال مُخاطبًا بن سلمان: “لقد فعلنا ذلك الآن.. لقد أخرجناهم (الإيرانيين) من اللعبة بشكل كبير، وحان الوقت للدخول في اتفاقيات أبراهام”.
ولا يبدو أن “تحجيم إيران” كما وصفه ترامب قد نجح على أرض الواقع، بحكم استمرار إطلاق صواريخها على إسرائيل، والمصالح الأمريكية في دول الخليج، لكن ترامب رأى في خطابه الذي وجّهه للأمير بن سلمان إن “الوقت قد حان” للانضمام إلى مسار التطبيع، مُشيرًا إلى أن مبررات التأجيل لم تعد قائمة بعد “تحجيم” إيران.
وجاء خطاب ترامب الحاد هذا، في مؤتمر “مبادرة مستقبل الاستثمار” بميامي، وهو محفل عام مُرتبط بالسعودية.
وبينما ينتقد ترامب السعودية لعدم انضمامها للتطبيع، وبالرغم كما قال من “تحجيم إيران”، قال مسؤول أمريكي إن 12 جنديًّا أمريكيًّا، اثنان منهم في حالة خطيرة، أصيبوا في هجوم عسكري إيراني على قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية، وتضاف هذه الإصابات الأخيرة إلى أكثر من 300 جندي أمريكي أصيبوا منذ بدء الحرب على إيران في 28 فبراير شباط.
وتُطرح تساؤلات حول موقف السعودية، من دعوة ترامب العلنية الجديدة هذه لها للانضمام لاتفاقيات أبراهام، حيث كان ملحوظًا في الفترة الأخيرة تبدّل في الخطاب الإعلامي السعودي ضد إسرائيل، ومُهاجمتها، وما تُشكّله من خطر على الدول العربية، والإسلامية، بل ومُهاجمة دول التطبيع ضمن الخلاف السعودي- الإماراتي، والذي تراجع مع تصدّر الحرب على إيران، المشهدين السياسي، والإعلامي.
وأشاد ترامب من جهته وهو ينتقد السعودية “غير المُطبّعة”، بالدول التي بادرت إلى توقيع الاتفاقيات خلال ولايته الأولى، ووصفها بـ”الشجاعة”، وأن هذه الخطوة جلبت لها مكاسب اقتصادية كبيرة، في إطار ما سمّاه “شرق أوسط جديد” يتشكّل بعد “إصراره” على القول بـ”تراجع التهديد الإيراني”.
واهتمّت وسائل الإعلام السعودية من جهتها، باستعراض الجانب الإيجابي في حديث ترامب في جزئية قوله: “أريد أن أشكر صديقي محمد، إنه رجل رائع وصديق عظيم لنا جميعاً”، مضيفاً أنه “محارب” لم يتردد في مواجهة إيران رغم التهديدات، وأنه “رابح” يستحق ألقابه ومكانته، واصفاً إياه بـ”ملك المستقبل” الذي يمكن للسعودية أن تفخر به”.
ومن غير المعلوم، إذا كانت السعودية، ستلجأ للرد الإعلامي على ترامب، ردًّا على بعض تصريحاته الخارجة، كما فعلت مثلًا مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وتقرير نشرته قناة “الإخبارية” الرسمية، وقالت فيه عن نتنياهو بأنه صهيوني أبًّا عن جد ورث التطرف عنهما جينيًّا”، كما كانت سخرت قناة (MBC) من كبر أذنيه.
ولم تتبنّ الرياض من جهتها، خطابًا سياسيًّا، وإعلاميًّا، اندفع باتجاه إعلان الحرب السعودية ضد طهران، بل ونفت ضمن صحافتها، التقارير التي أشارت إلى حثها ترامب على مُواصلة الحرب، على عكس الموقف الإماراتي الذي أيّد استمرار الحرب ضد طهران، وضمن مقال نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال” للسفير الإماراتي يوسف العتيبة في واشنطن.
كما كان قال ولي العهد السعودي إن المملكة لن تسمح باستخدام أجوائها أو أراضيها في أي عمل ضد إيران قبل بدء الحرب، ثم ذهب موقف السعودية خلال الحرب باتجاه التأكيد على حقها باتخاذ كافة الإجراءات بما فيها “خيار الرد على العدوان”، مع تواصل الهجمات الإيرانية على المملكة.
لكن ترامب ذهب إلى عقد مُقارنة علنية بين موقف المملكة وحلفاء واشنطن في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مُعتبرًا أن الرياض كانت “متعاونة للغاية” في العمليات العسكرية الأخيرة، على عكس دول الحلف التي أعرب عن خيبة أمله منها.
وطال ترامب، الكويت أيضًا بنقده، ووجّه لها ملامته، فقال: إن الكويتيين “أهدروا 3 صواريخ باتريوت عظيمة” لإسقاط طائرات لم يكونوا يعلمون أنها تابعة لحلفائهم، مضيفاً: “لقد أسقطوا طائراتنا بصواريخنا.. ما كانوا ليفعلوا ذلك لولا سخاؤنا”.
يحصل بالتزامن، حيث زار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي السبت قطر بعد توقّفه في السعودية والإمارات، حيث قال إنه عقد “اجتماعات مهمة”.
ويبدو هُنا من زيارة زيلنسكي، أن دول الخليج، تسعى لتأمين احتياجاتها الدفاعية، وسط تقارير عن مخاوف من نفاد صواريخ الدفاعات الأمريكية مع طول أمد الحرب على إيران، مع تواصل هجمات الأخيرة على دول الخليج، وجاء لافتًا تشديد زيلينسكي على مركزية التهديد الإيراني بالنسبة للشراكة الاستراتيجية الجديدة.
وقال زيلنسكي: “نحن مستعدون لمشاركة خبرتنا وأنظمتنا مع المملكة العربية السعودية والعمل معًا لتعزيز حماية الأرواح. الآن، وبعد دخولنا العام الخامس، يواجه الأوكرانيون نفس نوع الهجمات الإرهابية – الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة – التي ينفذها النظام الإيراني حاليًا في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج. كما أن لدى المملكة العربية السعودية قدرات تهم أوكرانيا، ويمكن أن يكون هذا التعاون مفيدًا للطرفين”.
المصدر: رأي اليوم
