بقلم: عبد الله ولد بونا//مفكر وخبير استراتيجي
25فبراير 2026
إن التفكير الاستراتيجي الغربي يبدأ من مستوى التكتيك ، باختلاف سقفه الزمني المحدود ، ثم يتدرج صعوا إلى تفكير استراتيجي ، يتسع سقفه الزمني أكثر إلى عقد أو عقدين.
لكن ذلك يحتاج لتفكير فوق استراتيجي يعين على حماية ما أنجز من تقدم ، ويراجع عمل المنظومة الفكرية ويضمن استدامة حاكميتها ونتائجها ونمو تلك النتائج.
فالزمن السياسي يوظف كقيد للتفكير أو كجائزة تمنح ؛ لمن ينضبط تحت سقف الزمن السياسي للنظام الدولي.
لكن مستوى التفكير الاستراتيجي الحضاري يمنح العقل المفكر مساحة رؤية أفضل ، تمكنه من توظيف المنظومات الحضارية في الصراع ، وفي تحقيق أثر كامل ، إبجابي لصالحه أو سلبي للخصوم ، ومؤثر في الإدراك الجمعي والفردي والنخبوي وعلى صانع القرار نفسه ، في الطرف الآخر.
والإطار الحضاري للتحليل ، يتيح اختبار المنهج الغربي تاريخياً، ثم يرصد المؤشرات التي قد تكسر التوازن، الحاكم لكل منظومة إقليمية ، أو للعالم كشبكة ، تقوم على منظومات .
والدولة كشبكة تتحكم في منظومات اجتماعية وثقافية وفكرية واقتصادية، ونفسية ، ولما لذلك من أثر نفسي مهم للتعبئة والحشد والتضليل التفسيري للأحداث، هي المستهدفة دائما.
*التحول من إدارة الصراع الثنائي إلى إدارة النظام متعدد الأركان*
إن الصراع الأمريكي الإيراني لا يمكن فهمه فقط بلغة القوة أو المصالح المباشرة؛ فلا بد أن يفهم ضمن رؤية أوسع لإدارة النظام الدولي والإقليمي.
فبعد نهاية الحرب الباردة تشكل نظام دولي قائم على مركز واحد للقوة، يسعى إلى منع تشكّل أقطاب منافسة.
بإدارة الأقاليم الحيوية عبر توازنات مضبوطة، وقواعد ثابتة في حاكميتها ومتغيرة حسب دوره الوظيفي لكل مكون من المنظومة
وذلك لإبقاء مناطق الطاقة تحت نظام أمني قابل للتحكم والإدارة.
وفي هذا السياق، تمثل إيران نموذج الدولة المستقلة التي ترفض الاندماج الكامل في النظام الغربي، وتسعى إلى دور إقليمي مستقل.
فالصراع ليس وجودياً بينها مع الغرب ، إذ هو صراع حول
حدود النفوذ،وقواعد الأمن،وهوية النظام الإقليمي.
وهنا يصبح الهدف هو تنظيم الدور وضبط السقف ، لا إنهاء الفاعل.
ويتضح من المسار السابق ما بعد غزو العراق أن الغرب سمح بنمو وتمدد النفوذ الإيراني تحت مظلته في العراق والشرق والأوسط.
لكن ايران أردات تجاوز السقف المرسوم لها غربيا
وهو دور مرسوم لكل دولة شرق أوسطية ، مع الفارق.
بما في ذلك اسرائيل وتركيا.
*اختبار قيد المنع بإزالة النظام عبر المقارنة التاريخية*
1. نموذج العراق (2003)
حيتم إسقاط النظام، لكن تفكك التوازن الداخلي، وتصاعدت الفوضى الإقليمية، وتوسعت شبكات النفوذ غير الدولي.
وكسبت إيران ثمرة حرب آمريكية غربية عربية ضدا العراق.
فجاء التغيير الجذري كتهديد جيو استراتيجي ينذر بهدم النظام الإقليمي كله ، بدل إعادة تشكيله
.
والوضع الراهن يمثل جزء من المضاعفات التراكمية للعدوان على العراق من خارج مظلة مجلس الأمن والأمم المتحدة.
ومن تكتيك آمريكي لم يكن محكم النضج.
2. نموذج ليبيا 2011
حيث إسقاط سريع للنظام أدى لانهيار مؤسسات الدولة،وتحوّلت البلاد إلى فراغ أمني.
فبرزت قاعدة تقول أن إزالة السلطة لا تعني بناء نظام بديل.
والعدوان على ليبيا كان مظهرا من مظاهر نتائج القطب الأحادي الغربي الذي استفرد بالعالم.
2.نموذج كوريا الشمالية
فرغم العداء العميق لم يتم إسقاط النظام، وتم اعتماد الردع والاحتواء.
واستمر التوتر تحت سقف مضبوط.
لتبرز قاعدة مهمة تقول أنه عندما تكون كلفة التغيير مرتفعة، يصبح الاحتواء الخيار الأفضل.
4. نموذج الصين
فهي لم تُحتوَ بالقوة، بل عبرالاحتواء الاقتصادي، والتوازن الاستراتيجي، وإدارة التنافس.
لتبرز قاعدة مهمة تقول أن المنافسة المنظمة أكثر استدامة من المواجهة.
لكن هل تضمن استدامة التوازن وضبط السقف؟
كلا
*ماهي المؤشرات التي قد تكسر التوازن*
رغم استقرار نموذج الضغط المضبوط، توجد مؤشرات إذا اجتمعت قد تدفع نحو تحولات كبيرة صادمة.
1. تحول نووي كامل
فإذا أصبحت إيران قوة نووية عسكرية معلنة، فقد تتغير قواعد الردع،وتبدأ سباقات تسلح إقليمية.
ويعاد تشكيل الأمن الخليجي، وتنهار لعبة القيود الأمنية الآمريكية بالشرق الأوسط.
2. انهيار داخلي مفاجئ
إن أي تفكك داخلي حاد في إيران قد يؤدي إلى فراغ أمني واسع.
وصراعات داخليةوتدخلات إقليمية لدول نووية
وهو سيناريو لا تفضله القوى الكبرى.
3. ضربة استراتيجية خاطئة
فأي ضربة كبيرة لإيران ستؤدي إلى رد إيراني واسع،وتعطيل الملاحة والطاقة.وتوسع النزاع.
واحتمالات سلبية عديدة ومؤثرة بكل اتجاه.
4. انسحاب أمريكي استراتيجي من المنطقة
في حال تحوّل التركيز الكامل نحو آسيا لموازنة الصين، قد يعاد تشكيل توازنات الشرق الأوسط.
لتنشأ ترتيبات أمنية جديدة،وتتزايد أدوار القوى الإقليمية.
وهناك مفارقة امريكية غير واضحة تحتاج تحليلا منفردا
كيف تحاول تنظيم ميدان أنت تنسحب منه؟
لم يكن ذلك من نطاق اهتمام العقل الإمريكي ، لكنه مؤشر على تحول عميق فيه.
*كيف يُفهم الضغط على الخليج ضمن هذه المعادلة؟*
إن الضغط عبر التوتر مع إيران يؤدي إلى تعزيز الاعتماد الدفاعي على المظلة الأمريكية، وتوحيد المنظومات الدفاعية.
وتسريع التطبيع الأمني الإقليمي،وضبط السياسات الاستراتيجية للدول الصغيرة والمتوسطة.
إنه مايجري ليس ضغطاً عرضياً، فهو أداة لإدارة النظام الأمني
.
*الحرب أم التوازن القلق؟*
إن المؤشرات الحالية تشير إلى أن
الردع المتبادل مستقر، وأن الكلفة العالمية للحرب مرتفعة،وأدوات الضغط غير المباشر فعّالة، و الأطراف تفضل العمل تحت العتبة.
ويرجح ذلك أن الحرب الشاملة ليست الخيار المرجح، بينما التوتر المنضبط هو الحالة الأكثر استدامة
وهو هدف بحد ذاته.
.
إن النظام الإقليمي في الشرق الأوسط ليس ساحة صراع وجودي كما يتصور ، فهو ليس سوى منظومة توازنات دقيقة يراد لها أن تستمر.
وكذلك الحال في المغرب العربي.
والصراع مع إيران ليس صراع إنهاء، بل صراع تحديد دور.
والضغط ليس مقدمة حرب، بل وسيلة ضبط.
والتوتر ليس فشلاً دبلوماسياً، بل آلية إدارة نظام.
والتغيير الجذري يبقى ممكناً لكنه خيار مرتفع المخاطر، ولا يُلجأ إليه إلا عند انهيار قواعد التوازن..
والأمن هو مفتاح التحكم في اللعبة.
ومركز تحكمه يجب أن يبقى في "اسرائيل".
خاصة أنها تحت ضغط نفسي هائل بعد جولات حرب هدمت كل ما نسجته من تفوق في نفوس انظمة وشعوب الشرق الأوسط ، والعالم كله.
فالسردية الغزية والفلسطينية اخترقت عمق الهوية النفسية الأوروبية والآمريكية والعالمية.
في عصر ستكون السرديات الإدراكية هي أخطر سلاح استراتيجي فتاك.
ومن لا يمتلك خبرة بناء السرديات الإدراكية وخبرة تفكيكها، يتحول إلى مستهلك ضحية ؛ يدور في قاع سحيق من التخلف والهشاشة.
