لم تكن الحلقة حول مستقبل الصحراء الغربية نقاشًا متوازنًا بقدر ما كانت مشهدًا كاشفًا لطبيعة الخطاب حين يُبنى على يقينٍ بلا برهان. وما سُمّي بـ“بل التكحيلة” في التعبير الحسّاني ليس مجرد وصفٍ ساخر، بل رمزٌ لما يزيّن الموقف ويغطي الحقيقة، حتى يغدو الكلام مضللًا لمن ينظر بعين واحدة.
دخل إسماعيل ولد الشيخ سيديا ثابت النبرة، واضح الجملة، مدافعًا عن أطروحته بترابطٍ يُشبه البناء المتماسك. أما عبد الرحمن ولد أزوين، فبدا متلعثمًا، تتكسر عباراته قبل أن تكتمل، ويغيب الدليل كلما طُلب البرهان. كان صوته يحاول أن يبدو واثقًا، لكن الحجة لم تسعفه، لأن الحجة _ ببساطة _ لا تقوم على التمنّي ولا على التكرار.
حين يُقال إن خيارًا واحدًا هو الممكن والوحيد، فذلك ادعاء يحتاج إلى سندٍ صلب. وحين يغيب السند، يتحول الخطاب إلى رأيٍ شخصيٍّ مرفوعٍ إلى مرتبة الحقيقة المطلقة. هنا مكمن الضعف: ليس في الدفاع عن موقفٍ ما، بل في العجز عن تدعيمه بدليلٍ مقنع. فالسياسة، مهما اشتدّ صخبها، تبقى في النهاية فنّ الإقناع، والإقناع لا يولد من فراغ.
ثم إن الحديث باسم الصحراويين أو باسم المغاربة جميعًا هو قفزٌ فوق حقائق التنوع داخل كل شعب. لا أحد يملك وكالةً حصرية عن ضمائر الناس، ولا أحد يختصرهم في جملةٍ عابرة. الشعوب ليست شعارًا يُرفع، بل كيانًا حيًّا متعدد الأصوات.
وفي القضايا المصيرية كقضية الصحراء الغربية، لا يكفي أن ترتفع النبرة؛ بل يجب أن ترتفع الحجة. فالارتباك لا يُخفى بطول الكلام، والتلعثم لا يعالَج بتكرار العبارات. ومن وجهة نظري كصحراوي، لا مغربي ولا موريتاني، أرى أن نافخ الكير، إن لم يُحسن تقدير حرارة النار، قد تحرقه قبل أن تحرق غيره.
يبقى المؤلم _ كما قال الشاعر _ :
“وظلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضةً
على المرءِ من وقعِ الحسامِ المهندِ”
فالخلاف هنا ليس بين غرباء، بل بين جيرانٍ تجمعهم جغرافيا واحدة وتاريخ متداخل. لذلك فإن المسؤولية الأخلاقية مضاعفة: أن يكون الكلام بميزان العقل، وأن تُبنى المواقف على أدلةٍ لا على انفعال.
في النهاية، ما كشفته الحلقة ليس انتصار رأيٍ على آخر، بل هشاشة خطابٍ حين يفتقر إلى الحجة. وفي قضايا الشعوب، الحجة هي التي تصمد، أما الصخب فيذوب مع أول اختبار.
و“بل التكحيلة… حين يغطي عين واحدة” يذكّرنا أن التزيين وحده لا يغني عن وضوح النظر، وأن الحقائق الكبرى تحتاج إلى عينين لا واحدة.
سلامة مولود اباعلي
