نهاية شهر ديسمبر سنة 1932 كانت فرنسا الاستعمارية تبذل قصارى جهدها للقضاء على آخر معاقل المقاومة الصحراوية الشرسة التي أذلت تجريدات الفرنسيين في موريتانيا وغرب مالي وفي أزواد,ولم يتمكن الفرنسيون رغم تفوق عتادهم من مواجهة غارات رجال الشمال, التي كانت تنطلق من تيرس وزمور وتسدد ضربات موجعة لفرق الجمالة الفرنسية (أصنگ) في حفرة ودان وأغسرمت و أم التونسي وأم آغوابة و توجنين وغيرها من مواقع تمكن فيها الصحراويون بأسلحتهم البدائية من إذلال جيوش الإمبراطورية الفرنسية خلال أزيد من أربعة وعشرين عاما.
وبعد النصر الباهر الذي حققه المجاهدون الصحراويون يوم توجنين بدأت القيادة الفرنسية في افريقيا تعد أسباب الانتقام, وتبحث عن نصر ترفع به معنويات ضباطها و أتباعهم,ولتحقيق هذا الهدف تم تجهيز حملة عسكرية تكونت من 300 رجل لمهاجمة مخيمات الصحراويين في منطقة ميجك.
وتشاء الأقدار أن تصطدم هذه التجريدة الفرنسية بسبعة مجاهدين صحراويين كان على رأسهم المجاهد محمد سيد أحمد في منطقة آحفير,وحدثت مواجهة شرسة بين المجاهدين السبعة و300 جندي فرنسي معززين بگوميات و مدججين بالسلاح, ورغم التفوق العددي الكاسح وكثافة النيران صمد المجاهدون يوما كاملا وبعد أن انتهت ذخيرتهم وأثخنتهم الجراح إرتقوا تباعا شهداء في ميدان المعركة,وهم الآن يرقدون في منطقة آحفير تحرسهم صخور مميزة ويشكل وجودهم ذكرى مجيدة وصفحة وضاءة تروي للأجيال جزءا من تاريخ شعب يأبى الاستسلام ويبتسم رجاله لرائحة البارود وطلقات الموت من أجل الكرامة.
وخلال العقود الثلاثة اللاحقة بقيت منطقة الصحراء الغربية تغلي رغم بعض الرماد الذي كان يغطي لهيبها من حين الى آخر.
وقد ساهم هذا التاريخ الحافل بالرفض والمقاومة في تشكيل وعي الرعيل الأول أثناء تأسيس البوليساريو وأثر بشكل كبير على استعدادهم الفطري لحمل البنادق وخوض غمار الحروب في منطقة طالما كانت مسرحا للمعارك.
ومع تأسيس الجبهة الشعبية واندلاع الكفاح المسلح سنة 1973 كانت الذاكرة الصحراوية لاتزال حبلى بأمجاد الماضي وأشباح التاريخ المجيد لا تزال تتراقص حول كل موقد وتجعل الشباب يحنون الى صيحات الفجر و دوي الرصاص.
في هذه البيئة الخاصة وفي عائلة صحراوية مجاهدة و بعد تسع سنوات من معركة آحفير الشهيرة وبالتحديد سنة 1941 ولد خطري ولد أمحمد ولد محمد سيد أحمد حفيد شهيد منطقة آحفير, وشب كغيره من رفاقه متأثرا بأمجاد الماضي القريب وصولات المجاهدين التي يتناقلها الرواة في محيط بدوي صارم.
ومع نهاية شهر أكتوبر 1975 اجتاحت جيوش الغزو كل مناطق الصحراء الغربية ووجد الصحراويون أنفسهم يحاربون على جبهتين,ورغم قلة العدد و ضعف العتاد إلتقط الصحراويون أنفاسهم وقاتلوا ببسالة وتمكنوا من تحقيق انتصارات خلدها التاريخ.
قاتل الشهيد خطري ولد أمحمد ضمن وحدات جيش التحرير الشعبي مع بداية الحرب في الجنوب وشهد معارك آوسرد والعرگوب ولگويرة والقارگ.
ولاحقا تم تكليفه بقيادة المجموعة المكلفة بحماية و تأمين ومرافقة النازحين الصحراويين من مناطق أم ادريگة وميجك والگلتة وساهم بشكل فعال في إنجاح عمليات الإنقاذ والاجلاء للعائلات التي تعرضت للقصف الهمجي في أكثر من موقع.
منتصف سنة 1976 تم الإعلان عن تشكيل قوات البحرية الصحراوية,التي بدأت بستة عشر رجل كان على رأسهم المرحوم خطري ولد أمحمد و تعززت هذه الوحدات لاحقا بدفعات جديدة وتولت مهمة القتال على طول شواطئ الصحراء الغربية.
كانت هذه المهمة محفوفة بالمخاطر بسبب بعد المناطق التي تقاتل فيها وحدات البحرية إضافة الى قلة العتاد الضروري لعمل الضفادع البشرية,ومع ذلك تمكنت مجموعة البحرية من تحقيق إنجازات تجاوزت كل التوقعات,وعلى طول الشريط الساحلي ومن الگرگرات الى آخفنير قاتل رجال البحرية بضراوة وتمكنوا من تعطيل الملاحة البحرية في المياه الإقليمية الصحراوية وغنموا عددا معتبر من السفن والمراكب التي لازال بعضها يقف اليوم شاحبا في ركن قصي من رمال ولاية الشهيد الحافظ.
وخلال تلك الأيام كان خطري ولد أمحمد يقود الوحدة الأولى من تشكيلات البحرية وقاتل رفقة رفاقه في العين البيضاء وانترفت وفي البعلتية واجريفية وادخيلة ادكان و ملوح علب زيلي ولبيردة وفي لكراع وشارك في الهجوم الجريء على ميناء العيون في غشت 1976.
ومع نهاية سنة 1985 التحق الفقيد بالناحية العسكرية الرابعة كقائد كتيبة وشارك في كل المعارك والاعمال القتالية رفقة كتيبته وكان حاضرا يوم أم لگطة وگور وين تركت والعائديات وغيرها من مواقع المجد.
أصيب الشهيد خطري بجراح في منطقة آمگالا ثم تحول للقتال في الناحية العسكرية الثالثة التي ظل مرابطا بها حتى وقف اطلاق النار.
وبعد أن عاش مجاهدا كريما يغادرنا خطري ولد أمحمد عزيزا شامخا كما كان دائما وستظل ذكراه تحفز ذاكرة كل من عرفه مقاتلا جسورا وروحا طيبة تسعى دائما لمراتب النبل والكرم والشجاعة.
رحل المقاتل الذي تحدى أمواج الأطلسي و سبر أغوار سهول وجبال تيرس وعانق أودية زمور ممتشقا بندقية العزة والكرامة وهو يقود رفاقه نحو المجد.
رحم الله الأب المقاتل خطري ولد أمحمد ولد محمد سيد أحمد وأسكنه فسيح جناته وألهم ذويه ورفاقه جميل الصبر والسلوان وإنا لله وإنا اليه راجعون.
وسيبقى عزاؤنا جميعا أن الفقيد عاش حياته رجلا شهما كريما مؤمنا بالله وبحق شعبه في الحرية والكرامة.
حمدي ميارة.
