هل نحن أمام ربيع أوروبي؟.

اخر تحديث:
كتب بواسطة:
RASD NEWS
المستقلة للأنباء

محتويات المقال

 


من باريس إلى روما، ومن مدريد ولشبونة إلى بروكسل وتيرانا، تتحرك الشوارع الأوروبية على إيقاع احتجاجات متزامنة. قد تختلف الشعارات، وتتباين المطالب، وتختلف طبيعة الأنظمة والأوضاع من بلد إلى آخر، لكن المشهد العام يحمل ملامح واحدة: غضب اجتماعي يتسع، وثقة تتآكل، ومسافة تزداد بين المواطن والمؤسسات التي يفترض أن تمثله.
فرنسا، إيطاليا، إسبانيا، البرتغال، بلجيكا وألبانيا، ليست مجرد قائمة بلدان شهدت احتجاجات متفرقة؛ إنها خريطة لمزاج شعبي آخذ في التشكل. غلاء المعيشة، أزمة السكن، تراجع القدرة الشرائية، الأجور، الخدمات العمومية، الفساد، ومستقبل الأجيال الجديدة، كلها عناوين مختلفة لقلق واحد: أن يصبح العيش الكريم امتيازاً بدلاً من أن يكون حقاً.
ولعل الأخطر في هذه الموجة أنها لا تبدو محصورة في مطلب اقتصادي محدد. فعندما يخرج العامل احتجاجاً على راتبه، والشاب احتجاجاً على استحالة امتلاك أو استئجار مسكن، والنقابات دفاعاً عن الخدمات والحقوق الاجتماعية، فإن الشارع لا يطالب فقط بتحسين الأرقام، بل يضع النموذج السياسي والاقتصادي نفسه أمام المرآة.
أوروبا التي بنت جزءاً كبيراً من صورتها على دولة الرفاه والحماية الاجتماعية والاستقرار تجد نفسها اليوم أمام اختبار حقيقي. ليست المشكلة أن مؤسساتها انهارت، وإنما أن المواطن بدأ يشعر بأن تلك المؤسسات لم تعد قادرة على حمايته من التحولات التي تعصف بحياته اليومية. وحين تتسع الهوة بين ما تقوله الحكومات وما يعيشه الناس، يصبح الغضب مسألة سياسية مهما كان عنوانه الأول اقتصادياً.
وهنا تحديداً تكتسب هذه الاحتجاجات أهميتها. فالمشهد لا يتعلق فقط بما يحدث داخل كل بلد، وإنما بتزامن الاحتجاج نفسه، وبالتشابه اللافت في الأسئلة التي تخرج من شوارع أوروبية متباعدة: من يدفع ثمن الأزمات؟ ولماذا تتحمل الطبقات الشعبية الجزء الأكبر من كلفتها؟ وإلى أي حد تستطيع الحكومات الاستمرار في إدارة الأزمات بالمسكنات بينما تتراكم أسباب الغضب؟
ولا يخلو المشهد من مفارقة سياسية خطيرة. فالغضب الشعبي لا يعني بالضرورة صعود القوى التي ترفع شعارات العدالة الاجتماعية؛ فقد يكون وقوداً لصعود الشعبوية واليمين المتشدد، الذي يجد في الإحباط العام فرصة لتقديم نفسه بديلاً عن الطبقات السياسية التقليدية. وكلما عجزت هذه الأخيرة عن تقديم إجابات مقنعة، اتسعت مساحة الذين يتغذون على فقدان الثقة بها.
لهذا، فإن الاختبار الحقيقي للحكومات الأوروبية ليس قدرتها على احتواء مظاهرة أو إنهاء إضراب، وإنما قدرتها على معالجة البيئة التي تنتج الاحتجاج أصلاً. فالشارع لا يتحرك بسبب رقم واحد في فاتورة أو بند واحد في ميزانية؛ إنه يتحرك عندما يشعر بأن منظومة كاملة لم تعد تنصفه، وأن صوته لا يصل إلا بعد أن يتحول إلى ضجيج.
ومن هنا يصبح السؤال: هل نحن أمام «ربيع أوروبي»؟
قد يكون من المبكر إطلاق هذا الاسم، لكن من المبكر أيضاً التعامل مع ما يجري باعتباره مجرد موجة عابرة. فالربيع السياسي لا يحتاج بالضرورة إلى مركز قيادة أو شعار موحد حتى يولد؛ يكفي أحياناً أن تتراكم الأزمات، وتتقاطع مشاعر الناس، وتكتشف المجتمعات في لحظة ما أن غضبها ليس فردياً ولا محلياً.
وما يجري اليوم لا يزال بعيداً عن تلك اللحظة الحاسمة، لكنه يقترب منها إذا استمرت أسباب الاحتجاج في الاتساع، وإذا بقيت المؤسسات السياسية عاجزة عن استعادة ثقة الشارع.
فأوروبا أمام خيارين لا ثالث لهما تقريباً: إصلاح سياسي واجتماعي يعيد للمواطن شعوره بأن المؤسسات تعمل من أجله، أو ترك الغضب يتراكم حتى يصبح هو نفسه قوة سياسية يصعب احتواؤها.
وربما لهذا السبب لا ينبغي أن يكون السؤال: هل بدأ الربيع الأوروبي؟
بل: هل بدأت أوروبا تسمع ما تقوله شوارعها، قبل أن تتحول لغة الاحتجاج إلى لغة تغيير.

سلامة مولود اباعلي
شارك المقال:
كاتب ومدون

كاتب ومدون في هذا الموقع، يهتم بتقديم محتوى حصري ومفيد للقارئ العربي.