قد يبدو اعتماد الفرع الإسباني للحزب الوطني الريفي، للوهلة الأولى، مجرد إجراء قانوني يتعلق بتسجيل تنظيم سياسي على الأراضي الإسبانية. لكن وضعه في سياقه السياسي والجيوسياسي يجعل من الصعب التعامل معه باعتباره حدثاً إدارياً عابراً.
فإسبانيا ليست دولة أوروبية بعيدة عن تاريخ الريف وجغرافيته، ولا عن علاقاتها المتشابكة مع المغرب. ولذلك فإن انتقال القضية الريفية إلى فضاء سياسي منظم داخل إسبانيا، وفتح المجال أمام الحزب للتواصل مع الأحزاب والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني، يضفي عليها بعداً أوروبياً جديداً.
الأهمية السياسية هنا لا تكمن في أن مدريد تبنت مشروع استقلال الريف؛ فهذا استنتاج لا تؤكده المعطيات المتاحة. الأهم أن القضية الريفية أصبحت قادرة على ممارسة العمل السياسي المنظم داخل دولة أوروبية، وباسمها وبخطابها وأدواتها السياسية. وهذا يختلف جذرياً عن بقائها مجرد قضية احتجاجية أو مطلب اجتماعي داخل الحدود المغربية.
والدلالة الأخرى أن الريف لم يعد يُقرأ فقط من زاوية علاقته الداخلية بالمغرب، وإنما بدأ يدخل، بصورة أوضح، في فضاء العلاقات الأوروبية ـ المغربية. فوجود تنظيم سياسي ريفي معتمد في إسبانيا يفتح له قنوات اتصال مباشرة مع الفاعلين السياسيين والمجتمع المدني، ويمنحه إمكانية نقل قضيته إلى دوائر أوسع من النقاش الأوروبي.
وهنا تظهر حساسية الخطوة بالنسبة إلى الرباط. فإسبانيا تمثل إحدى أهم الدول الأوروبية في الحسابات المغربية، بحكم القرب الجغرافي وتشابك المصالح وملفات الهجرة والأمن وسبتة ومليلية. وبالتالي فإن ظهور فضاء سياسي ريفي منظم على الأراضي الإسبانية يضيف متغيراً جديداً إلى العلاقة بين البلدين، حتى وإن كان من المبكر تحويله إلى موقف رسمي إسباني من قضية استقلال الريف.
كما أن المسألة تحمل بعداً آخر يتعلق بالجالية الريفية في أوروبا. فالحضور الريفي الكبير في إسبانيا وأوروبا يوفر للحزب مجالاً لتوسيع نشاطه السياسي والمدني، وتحويل هذا الوجود الاجتماعي إلى حضور سياسي أكثر تنظيماً وتأثيراً.
ومن هنا تتجاوز أهمية الخطوة مجرد تسجيل حزب سياسي؛ فهي تفتح أمام القضية الريفية نافذة سياسية داخل أوروبا، وتمنحها لأول مرة، بهذا الشكل المنظم، إمكانية مخاطبة الفضاء السياسي الإسباني والأوروبي من موقع قضية سياسية لها تنظيمها وخطابها وأدواتها. وهذا من شأنه أن يعيد وضع الريف في دائرة النقاش السياسي، لا باعتباره شأناً داخلياً مغربياً فحسب، وإنما باعتباره قضية يمكن أن يكون لها حضور في العلاقات الأوروبية ـ المغربية.
والأهم أن الخطوة تأتي في دولة ذات علاقة تاريخية وجغرافية وسياسية مباشرة بالريف والمغرب. ولذلك فإن دلالتها تتجاوز الحزب نفسه إلى إعادة إدخال العامل الريفي في الحسابات السياسية الإسبانية، ولو بصورة غير مباشرة. فهي لا تعني أن مدريد تبنت مشروع استقلال الريف، لكنها تعني أن المجال السياسي الإسباني أصبح مفتوحاً أمام تنظيم يطرح هذا المشروع ويمتلك الحق في التعبير عنه والتحرك من داخله. ومن هذه الزاوية، فإن ما حدث قد يكون بداية لتحول في موقع القضية الريفية: من قضية تُدار أساساً داخل الحدود المغربية إلى قضية تملك منفذاً سياسياً منظماً إلى الفضاء الأوروبي.
سلامة مولود اباعلي
