بادي ولد محمد سالم... مفكر من كون انيان...

اخر تحديث:
كتب بواسطة:
RASD NEWS
المستقلة للأنباء

محتويات المقال

 


هناك نصوصٌ لا تُقرأ مرةً واحدة، لأن ما فيها أكبر من الكلمات التي تحملها؛ نصوصٌ تبدو للوهلة الأولى وصفًا لمشهد عابر، ثم ما تلبث أن تكشف عن ذاكرة المكان، وملامح الإنسان، ودهشة الشاعر أمام أرضٍ تعرف كيف تموت وكيف تبعث من جديد.
ومن هذا النوع هذه الطلعة البديعة للشاعر الكبير، المرحوم بإذن الله، بادي ولد محمد سالم؛ طلعةٌ جعل فيها من الربيع حكايةً، ومن الأرض كائنًا حيًا، ومن أسماء المواضع صفحاتٍ من الذاكرة، حتى يبدو القارئ وكأنه لا يقرأ شعرًا عن الطبيعة، بل يمشي بين نباتها، ويرى خضرتها، ويسمع حركة الحياة وهي تدب في أرجائها.
وهذه هي الطلعة كاملة:
مفكر من كون انيان
أربيع وبو لوتاد أربيع
ولگلات أربيع ودرمان
أربيع ولا فيهم رضيع
معناها ماهي باطل نار
تنشاف ولاهو رد اخبار
ماهي حيه ماهم خطار
ماهم رتاعه ماهو بيع
ماهي طربه ماهو معمار
عاگب لمنازل وتگاليع
أوجاه الرتعة والتجار
وادوام الطربة واتابيع
لعوام الزينين ولمطار
لخبار لملاهي تشييع
إنيان وشوق أعل دار
بولوتاد وزين أتلاميع
بنيات أعليهم ظل أجفار
درمان أدوا لماجيع
ذاك الحال يزيد فلعمار
وينور لبصار أتگاييع
فرگان أعييت أتشوف اكبار
فمعالگ لگلات أطاليع
الدشرة فوينت لخظار
مزال اعل لرض النگيع
هذا كامل ول قفار
ماهو رضيع ولا وضيع
أربيعو يخظار ويصفار
وينور ويحبب ويفيع
ما فيه أمن الحيه لغيار
ضاع الويه أشكال الزريع
أكساو أعراشو والنوار
أفتوت وورگو عاد أصريع
مارا رگاش أعل لشوار
سبحانك يا الحي السميع
مفكر من كون انيان...
هذه ليست مجرد طلعة تصف الربيع؛ إنها مشهد سينمائي كامل بلغة الشعر الحساني، يبدأ من سؤال الذاكرة: مفكر من كون انيان... ثم تتوالى الصور حتى يصبح القارئ داخل المكان، لا خارجه.
أول ما يلفت النظر أن الشاعر لا يقول: جاء الربيع، ثم يشرع في وصفه. بل يستدعي جغرافيا الربيع بأسمائها: كون انيان، بو لوتاد، لگلات، درمان. وكأن الربيع عند أهل الصحراء ليس فصلًا من فصول السنة، وإنما أماكن بعينها تحفظها الذاكرة، فإذا جاء المطر استيقظت معها تلك الأسماء.
ثم ينتقل الشاعر من المكان إلى الحياة.
«معناها ماهي باطل نار
تنشاف ولاهو رد اخبار»
هنا تتحول الصورة من مجرد خضرة إلى حقيقة مرئية، شيء لا يحتاج إلى رواية ولا إلى شاهد؛ الأرض تتحدث بنفسها. وكأن الشاعر يقول إن هذا الجمال ليس حكاية تُنقل، وإنما حقيقة تراها العين ولا تحتاج إلى برهان.
ثم تتسع الدائرة:
«ماهي حيه ماهم خطار
ماهم رتاعه ماهو بيع»
فتدخل الحيوانات والناس والحركة الاقتصادية والاجتماعية في المشهد. فالربيع عند الشاعر لا يخص العشب وحده؛ إنه موسم تستعيد فيه الحياةإيقاعها وبهائها.
ولهذا تأتي الأبيات:
«ماهي طربه ماهو معمار
عاگب لمنازل وتگاليع»
فتظهر صورة مجتمع يتحرك، ومساكن تعود إليها الحياة، وأناس يجدون في الخصب سببًا للرحيل والإقامة والتجارة والارتباط بالأرض.
ثم يبلغ النص مستوى آخر من الجمال حين يربط الربيع بذاكرة الأعوام:
«لعوام الزينين ولمطار
لخبار لملاهي تشييع»
فالمطر هنا ليس مجرد ظاهرة طبيعية؛ إنه ذاكرة. سنوات الخير تختزنها الذاكرة كما تختزن الأرض ماءها. وكل موسم جميل يستدعي مواسم أجمل، وكل ربيع يوقظ في النفس أخبارًا وأيامًا مضت.
ثم يدخل الإنسان بكل تفاصيله إلى اللوحة:
«إنيان وشوق أعل دار
بولوتاد وزين أتلاميع»
وحتى في هذه العبارة القصيرة نشعر بحركة الناس وحنينهم إلى الديار، وبذلك اللمعان الذي يضفيه الربيع على المكان. فالأرض حين تخضر لا تغيّر لونها فقط؛ إنها تغيّر مزاج الإنسان نفسه.
وتأتي صورة البنات:
«بنيات أعليهم ظل أجفار
درمان أدوا لماجيع»
فتصبح الطبيعة فضاءً اجتماعيًا حيًا، لا منظرًا جامدًا. هناك ظل، وحركة، ونساء، وأطفال، ومواشٍ، ومنازل؛ أي إن الشاعر يرسم الحياة بكل مكوناتها، لا العشب وحده.
ثم تأتي واحدة من أجمل لحظات الطلعة:
«ذاك الحال يزيد فلعمار
وينور لبصار أتگاييع»
فالربيع لا يزيد الأرض جمالًا فحسب؛ إنه يزيد العمر نفسه بهجة، وينير البصر، ويعيد إلى الإنسان قدرةً على الفرح.
وفي:
«فرگان أعييت أتشوف اكبار
فمعالگ لگلات أطاليع»
نبلغ درجة أخرى من الدهشة. لقد أصبح الجمال أكثر من أن تستوعبه العين. وكأن الشاعر، رغم معرفته بالمكان، يقف أمامه هذه المرة عاجزًا عن الإحاطة بما يرى.
ثم يفتح لنا نافذة أخرى:
«الدشرة فوينت لخظار
مزال اعل لرض النگيع»
وهنا تبلغ العلاقة بين القرية والأرض ذروتها؛ الخضرة ليست زينة حول الدشرة، بل جزء من كيانها، ملازمة لها، ممتدة على الأرض التي يعرفها أهلها شبرًا شبرًا.
لكن الشاعر لا يكتفي بالخضرة. إنه يتابع دورة الطبيعة بكل تحولاتها:
«أربيعو يخظار ويصفار
وينور ويحبب ويفيع»
يا لها من صورة! الربيع عنده ليس لونًا واحدًا. إنه أخضر، ثم أصفر، ثم نور، ثم ازدهار، ثم امتلاء. الطبيعة تتحول أمام العين، وكأن الشاعر يمسك الزمن نفسه ويضعه في أبيات.
ثم تأتي الصورة التي ربما تختصر براعة الشاعر كلها:
«ما فيه أمن الحيه لغيار
ضاع الويه أشكال الزريع»
لقد اختلطت الوجوه، واختلفت الأشكال، وتعددت النباتات، حتى أصبحت الأرض نفسها عصية على التعرف السريع. كل شيء تبدل، وكل نبتة أخذت ملامحها، وكل رقعة من الأرض ارتدت ثوبًا جديدًا.
ثم يذهب أبعد في تعداد مظاهر الحياة:
«أكساو أعراشو والنوار
أفتوت وورگو عاد أصريع»
وهنا لا يعود الشاعر مجرد واصف؛ إنه عارفٌ بتفاصيل بيئته، يعرف أسماء نباتاتها وأشكالها وتحولاتها. وهذه المعرفة الدقيقة هي التي تمنح النص صدقه وقيمته؛ فهو لا يتحدث عن صحراء متخيلة، وإنما عن أرض يعرفها ويعرف نباتها وأسماء مواضعها وملامحها.
ثم، بعد كل هذا الامتلاء، تأتي الخاتمة التي تنقل النص كله من الوصف إلى التأمل:
«مارا رگاش أعل لشوار
سبحانك يا الحي السميع»
هنا يتوقف الشاعر.
كأنه يقول: لقد عجزت اللغة عن ملاحقة ما رأته العين.
فبعد أن استعرض المكان، والناس، والحيوان، والخضرة، والنبات، والظلال، والألوان، لم يجد في نهاية المطاف أبلغ من أن يرفع بصره عن كل ذلك ويقول:
سبحانك يا الحي السميع.
وهنا تتجلى قيمة النص الحقيقية. فالمرحوم بإذن الله بادي ولد محمد سالم لم يكتب عن الربيع ليصف جماله فقط، وإنما كتب عن قدرة الحياة على العودة؛ عن الأرض حين يحييها المطر، وعن الإنسان حين يستعيد فرحه، وعن المكان حين يسترجع ألوانه، وعن الذاكرة حين تستيقظ مع أول خضرة.
إنها طلعة تختزن الجغرافيا والذاكرة والإنسان والطبيعة والإيمان في نسيج واحد.
والأجمل أن كل ذلك جاء بلغة بسيطة في ظاهرها، عميقة في دلالاتها، محلية في مفرداتها، صادقة في صورها. وهذا تحديدًا ما يجعل شعر بادي ولد محمد سالم جديرًا بأن يُقرأ اليوم لا باعتباره شعرًا حسانيًا جميلًا فحسب، بل باعتباره جزءًا من الذاكرة الثقافية والاجتماعية للصحراء، ووثيقةً شعرية تحفظ أسماء الأمكنة والنباتات وعادات الناس ومظاهر الحياة كما كانت تُرى بعين شاعر عاشها وأحبها.
رحم الله بادي ولد محمد سالم رحمةً واسعة.
لقد رحل صاحب القصيدة، لكن الأرض التي أحبها ما زالت، كلما جاءها الربيع، تستعيد شيئًا من صوته.
مفكر من كون انيان...
سلامة مولود اباعلي.
شارك المقال:
كاتب ومدون

كاتب ومدون في هذا الموقع، يهتم بتقديم محتوى حصري ومفيد للقارئ العربي.