الجنسية ليست صكًا لمقايضة حق الشعب الصحراوي

اخر تحديث:
كتب بواسطة:
RASD NEWS
المستقلة للأنباء

محتويات المقال

مدريد – لم تعد قضية الجنسية الإسبانية للصحراويين مجرد ملف قانوني منفصل عن معمعة تفاعلات السياسة الإسبانية تجاه الصحراء الغربية. فبعد موافقة مجلس النواب الإسباني، في 10 سبتمبر 2026، على مقترح قانون يمنح الجنسية الإسبانية للصحراويين المولودين في الصحراء الغربية خلال فترة الإدارة الإسبانية، وانتقال النص إلى مجلس الشيوخ لمواصلة مساره التشريعي، برز على الساحة تطور سياسي آخر يعيد وضع الإقليم ومركزه القانوني إلى واجهة النقاش داخل المؤسسات الإسبانية.

ففي الأول من أكتوبر، أقرّت اللجنة العامة للمجتمعات المستقلة في مجلس الشيوخ مبادرة تدعو الحكومة الإسبانية إلى إعادة تفعيل مجموعة العمل الخاصة بترسيم المجالات البحرية مع المغرب، مع إشراك حكومة جزر الكناري في هذا المسار. والأهم أن النص شدد صراحة على أن أي عملية ترسيم يجب أن تتم من دون استباق الوضع النهائي للصحراء الغربية، ومع احترام قرارات الأمم المتحدة.

وهنا تبرز المفارقة السياسية التي تستحق التوقف عندها. فمن جهة، تتحرك المؤسسة التشريعية الإسبانية في اتجاه الاعتراف برابطة تاريخية وقانونية بين إسبانيا والصحراويين، من خلال مشروع قانون الجنسية الذي أقره مجلس النواب بـ168 صوتًا مقابل 31 اعتراضا، و 145 امتناعا.  ومن جهة أخرى، يفرض النقاش المتعلق بالمياه البحرية قاعدة مختلفة تمامًا: لا يمكن لأي تفاوض إسباني–مغربي أن يتحول، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى اعتراف مسبق بوضع نهائي للصحراء الغربية لم يُحسم بعد.

موقف يكشف حدود التناقض

ويستحق موقف الحزب الشعبي الإسباني PP التوقف عنده، ليس باعتباره حاسمًا للقضية، وإنما بحكم تمسكه، في مبادرة ترسيم المياه، بإدراج ضمانات تتعلق بعدم استباق الوضع النهائي للصحراء الغربية واحترام قرارات الأمم المتحدة؛ إذ صوّت الحزب إلى جانب المبادرة في مجلس الشيوخ، بينما صوّت الحزب الاشتراكي PSOE ضدها. لكن هذا التطور يضع السياسة الإسبانية، بمختلف مكوناتها، أمام سؤال أعمق:

ما جدوى الانخراط في نقاش حول إنصاف الصحراويين ومنحهم الجنسية، إذا كانت حقوقهم السياسية والقانونية تصبح موضع تفاوض عندما يتعلق الأمر بملفات أكثر حساسية، كالمياه والموارد والوضع النهائي للإقليم؟

لا يتعلق الأمر هنا بالتقليل من أهمية الجنسية. فالجنسية حق قانوني وإنساني مهم، والمقترح الجاري بحثه في البرلمان الإسباني يمثل، في حد ذاته، معالجة لوضع قانوني يتعلق بأشخاص وُلدوا في إقليم كان خاضعًا للإدارة الإسبانية. كما أن النص البرلماني نفسه يربط هذه المعالجة بالرابطة التاريخية بين إسبانيا والسكان الصحراويين.

لكن الجنسية لا ينبغي أن تصبح بديلًا عن القضية الأصلية، فالصحراوي الذي يحصل على جواز سفر إسباني لا يفقد، بذلك، حقوقه المرتبطة بوضع الصحراء الغربية. كما أن منح الجنسية لا يحسم الوضع القانوني للإقليم، ولا يمنح أي طرف حق التصرف في مستقبله أو موارده أو مياهه.

ترسيم المياه أكبر من مجرد ملف تقني

وهنا تكمن أهمية مبادرة مجلس الشيوخ. فالحديث عن ترسيم المجالات البحرية بين إسبانيا والمغرب ليس مجرد مسألة تقنية تتعلق بخطوط على الخريطة. الموقع الجغرافي لجزر الكناري وقربها من السواحل الصحراوية يجعل أي تفاوض بحري متصلًا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بالسؤال المتعلق بالوضع القانوني للصحراء الغربية.

ولهذا جاء النص الذي أقره مجلس الشيوخ واضحًا في الدعوة إلى استئناف عمل مجموعة الترسيم، مع التأكيد على عدم استباق الوضع النهائي للصحراء الغربية واحترام قرارات الأمم المتحدة. كما طالب بإبلاغ البرلمان الإسباني وحكومة الكناري خلال ثلاثة أشهر بحصيلة المفاوضات والقضايا العالقة والإجراءات المقررة.

وهذا يعني أن استئناف الحوار مع المغرب حول الحدود البحرية لا يُفترض أن يكون، وفق صيغة المبادرة، طريقًا لتثبيت أمر واقع بشأن الصحراء الغربية.

بل إن المبادرة نفسها تدعو إلى فصل ملف ترسيم المياه عن ملفات أخرى في العلاقات الثنائية، ولا سيما التعاون في مجال الهجرة ومراقبة الحدود، وترفض أي إجراء أحادي يتعارض مع الحقوق السيادية لإسبانيا أو اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.

الجنسية حق، لكنها ليست بديلًا عن الحقوق الوطنية. ومن هنا، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يتوقف عند السؤال: هل يحصل الصحراويون على الجنسية الإسبانية أم لا؟

السؤال الأوسع هو: كيف تتعامل إسبانيا مع حقوق الشعب الصحراوي عندما تنتقل من الملفات الإنسانية والتاريخية إلى الملفات السياسية والقانونية والاستراتيجية؟؛ فلا يمكن اختزال قضية شعب في وثيقة سفر، كما لا يمكن التعامل مع الجنسية باعتبارها تعويضًا عن حقوق أخرى مرتبطة بمستقبل الإقليم.

الجنسية حق والجواز وثيقة قانونية، لكن مستقبل الصحراء الغربية قضية تتجاوز الاثنين. وإذا كانت إسبانيا تفتح اليوم بابًا قانونيًا لمعالجة وضع الصحراويين الذين وُلدوا خلال فترة إدارتها للإقليم، فإن الاختبار الأهم يظل في كيفية تعاملها مع الملفات التي يمكن أن تؤثر في الوضع القانوني والسياسي للصحراء الغربية، وفي مقدمتها أي اتفاقات أو ترتيبات تتصل بالمياه والموارد الطبيعية ومستقبل الإقليم.

من مدريد إلى الأمم المتحدة

وبهذا المعنى، فإن مبادرة مجلس الشيوخ الإسباني تكتسب أهمية تتجاوز حدود الخلاف الداخلي بين الأحزاب الإسبانية. فهي تعيد التأكيد، داخل المؤسسة التشريعية، على مبدأ مفاده أن التفاوض مع المغرب ممكن، لكن من دون أن يتحول هذا التفاوض إلى وسيلة لاستباق الوضع النهائي للصحراء الغربية.

وهنا تتقاطع المسألتان؛ الجنسية وترسيم المياه. الأولى تتعلق بعلاقة تاريخية وقانونية بين إسبانيا وشريحة من الشعب الصحراوي؛ والثانية تختبر مدى قدرة السياسة الإسبانية على الفصل بين مصالحها الثنائية مع المغرب وبين الالتزامات المرتبطة بالوضع غير المحسوم للصحراء الغربية.

وفي نهاية المطاف، لا ينبغي أن تتحول الجنسية إلى عنوان للإنصاف بينما تُترك الحقوق الأساسية للشعب الصحراوي رهينة للتفاهمات السياسية. فالجنسية حق، لكنها ليست بديلًا عن الحقوق الوطنية، والجواز وثيقة سفر، لكنه ليس صكًا لمقايضة حق شعب.

أما مستقبل الصحراء الغربية، فلا تحسمه اتفاقية ثنائية ولا ترسيم بحري، وإنما يظل مرتبطًا بالوضع القانوني للإقليم وبحقوق الشعب الصحراوي وبالمسار الأممي الذي يفترض أن يحترم مستقبله وإرادته.
الصحفي والدبلوماسي بابا السيد لعروسي 
المصدر: الأيام نيوز 
شارك المقال:
كاتب ومدون

كاتب ومدون في هذا الموقع، يهتم بتقديم محتوى حصري ومفيد للقارئ العربي.